وهذا وأمثاله أسلوب واقعي يوجب ارتباط التلميذ بشيخه ومحبته له وتعظيمه إياه؛ بل وإقباله على الأخذ عنه، والحرص على العلم الذي لأجله عظم في نفس شيخه، والشيخ في نفس تلميذه.
وقد عني طلابه بتاريخ حياته وجمع نوادره وترجمته. فممن ألف في ذلك: تلميذه القاضي أبوبكر أحمد بن كامل (350) ، وأبو محمد ابن عبد العزيز بن محمد الطبري، وأبو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الطبري، وأبو الحسن أحمد بن يحيى بن علم الدين المتكلم، ولا أدري أهو كتاب (المدخل إلى مذهب الطبري ونصرته) أو كتاب آخر مستقل، وأبو محمد الفرغاني، ونقل جملا منها الذهبي في ترجمته في السير. كل هؤلاء نقل عن كتبهم ياقوت في ترجمته المطولة للإمام ابن جرير في معجم الأدباء، ومنهم القفطي صاحب (أنباه الرواة) ألف كتابًا مستقلًا سماه (التحرير في أخبار محمد بن جرير) وصفه فيه بأنه: كتاب ممتع.
وكان أبو جعفر يحب الرائحة الطيبة، فكان في الصيف -وهو فصل انبعاث روائح الجسم من الحرارة والأنفاس- يكثر من الرياحين بأنواعها والأطياب.
وكان برنامجه اليومي المعهود في درسه وتعليمه كما وصفوه: أنه كان إذا أكل طعامه في الصباح نام في ثياب تشبه الكتان، في قميص قصير الأكمام مصبوغ بالصندل وماء الورد، ثم يقوم يتوضأ لصلاته، فيصلي الظهر، ثم يجلس يكتب ويؤلف إلى صلاة العصر، ثم يصليها ويجلس للطلاب يملي عليهم أو يقرؤون عليه، ويشرح لهم حتى المغرب، ثم بعد صلاة المغرب يجلس لدرس الفقه إلى صلاة العشاء، ثم يقوم إلى داره. ويقسم ليلته بين حزبه ونومه وحاجته.
ولهذا أكثر التصنيف، حتى حرز ما يكتبه كل يوم -بالمتوسط- بأربعين ورقة أو نحوها، فلله در العالم الرباني.