وكان رحمه الله يراعي الأدب مراعاة تليق بمثله، ومن هو بمنزلته علمًا وقدرًا حتى في الأمور العادية غير الملاحظة.
قال ابن كامل القاضي: ما رأيت أظرف أكلًا من أبي جعفر، كان يدخل يده في الغضارة فيأخذ منها لقمة، فإذا عاد بأخرى جمع معها ما بقي من آثار اللقمة الأولى في حافة الغضارة، فكان لا يلطخ من الغضارة - وهي القصعة - إلا جانبًا واحدًا، وإذا تناولها سمى بالله، ثم وضع يده اليسرى على لحيته ليقيها رائحة الدسم، ثم يزيل يده إذا دخلت لقمته عن فمه، وكان في مجلسه لا يسمع له تنخم أو تبصق، وإذا أراد أن يمسح ريقه أخذ ذؤابة منديله، ومسح جانبي فمه.
وذكر ابن كامل أنه حاول التشبه به في هذه العادات فعجز عن ذلك، والتلميذ عادة مغرم بتقليد شيخه حتى في عادي الأشياء.
وذكر أحد وجهاء بغداد وهو أبو علي محمد بن إدريس الجمال قال: حضرنا يومًا مع أبي جعفر الطبري وليمة، فجلست معه على مائدة، فكان أجمل الجماعة أكلًا، وأظرفهم عشرة، ولا يأكل حتى يؤذن في الأكل ويعزم عليه فيه.
*ومن أخلاقه الظاهرة عليه كريم نفسه ووفاؤه؛ وحسن علاقته بطلابه تسمو بها هذه الخصلة الكريمة. قال تلميذه عبد العزيز بن محمد الطبري: (أخبرني غير واحد من أصحابنا أنه رأى عند الطبري شيخنا شيخًا مسنًا، قام له الطبري وأكرمه، ثم قال أبو جعفر لطلابه: إن هذا الرجل لحق به من أجلي ما استوجب به عليَّ كثيرًا من الحقوق، وذلك أني دخلت طبرستان وقد شاع سب أبي بكر وعمر، فسألوني أن أملي فضائلهما ففعلت. وكان سلطان البلد يكره ذلك، فلما علم بإملائي فضائلهما أرسل يستدعيني، فبادر هذا الشيخ وأرسل إليَّ يحذرني بأني مطلوب، فغادرت البلد ولم يشعر بي أحد، فوقع الشيخ في أيديهم، فضربوه بسببي ألفًا.
فلما صنع هذا الجميل منه لم يستكثر الطبري على نفسه الاعتراف بجميله وشكره ظاهرًا عليه.
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
*ومن أخلاقه الواضحة عليه: تواضعه، وخفة نفسه، وبساطته مع مكانته الرفيعة دينًا وعلمًا وقدرًا عند الوجهاء والناس؛ فكان من تواضعه يخرج مع تلاميذه إلى البراري، ويأكل معهم ويباسطهم، ويجيب الدعوة التي توجه إليه، والوليمة التي يسأل حضورها، فإذا مضى إلى منزل منها كان ذاك يومًا مشهودًا عظيمًا حضوره مفرحًا لمضيفه، معليًا لذكره بدعوة هذا الإمام وحضوره داره.