غير أن هناك من يرى أنه كانت هناك محاولات نقدية ضاربة في عرض الزمان استلهمت الفكر اليوناني وحاكته في تجرؤه على نقد الدين والآلهة، ثم حدث الاحتكاك الحضاري والمعرفي بالحضارة الإسلامية، وما صاحبها من نهم غربي في قراءة منتجها الثقافي والذي كان فيه من الكتب التي تناولت الكتاب المقدس بالنقد الموضوعي، وذلك بعد أن أشرع المفكر المسلم أشرعته في التحليق بقدمٍ ثابت من منتصف القرن الثاني الهجري وكثر التدوين في العلوم الإسلامية الأصيلة، وهو ما يثبت أن للعلماء المسلمين الفضل والإسهام بنصيب وافر في وضع بعض أسس دراسة الأديان قبل أن يظهر علم مقارنة الأديان عند علماء الغرب.
ذلك أن أثر العرب والمسلمين في علم الأديان يمتاز بطابعين جديدين:
أولا: أن الحديث عن الأديان أصبح على يد العلماء المسلمين دراسة وصفية واقعية منعزلة عن سائر العلوم والفنون شاملة لكافة الأديان المعروفة في عهدهم.
ثانيا: أن العلماء في وصفهم للأديان المختلفة لم يعتمدوا على الأخيلة والظنون، ولكنهم كانوا يستمدون أوصافهم من مصادرها الموثوق بها، كما يقول الدكتور محمد عبدالله دراز.
ومن الطبيعي أن هذا العلم لم يظهر قبل الإسلام؛ لأن الأديان قبل الإسلام لم يعترف بعضها ببعض، وكان كل دين يعدّ ما سواه من الأديان والأفكار هرطقة وضلالًا.
وحسبك أن تتذكر موقف اليهودية من النصرانية وموقف النصرانية من اليهودية. فاليهودية لم تعترف بالنصرانية والمسيح، واعتبرت المسيح عليه السلام ثائرًا، والنصرانية اعتبرت نفسها وريثة اليهودية، ولم تَرَ مع وجودها وجودًا لليهودية، ومثل ذلك موقف الهندوسية من البوذية، والبوذية من الهندوسية. بل وصل الأمر إلى أكثر من ذلك، فقد أنكرت كل طائفة دينية جميع الطوائف الأخرى المنتسبة لنفس الدين، وعدّت اتجاهاتها هَرْطَقة وضلالًا، وربما حكمت كل منها بالإعدام على أتباع سواها وهذا الاتجاه كان هو الاتجاه العام بين الأديان وبين المذاهب، ومن هنا لم يوجد علم مقارنة الأديان قبل الإسلام؛ لأن المقارنة نتيجة للتعدد، وليس التعدد معترفًا به عند أحد، فلم يوجد ما يترتب عليه، وهو المقارنة [1] .
ولقد أقر فرانز روزنتال F.Rossental أن علم مقارنة الأديان أحد الإنجازات الرفيعة للحضارة الإسلامية أسهمت به في التقدم الفكري للإنسانية [2] .
(1) دكتور أحمد شلبي: اليهودية، ط 8، القاهرة، مكتبة النهضة، ص 24.