وقد تصدى لرد هذه المحاولات علماء أكفاء كان لزامًا عليهم أن يدرسوا هذه الديانات، وأن يتعمقوا في كتبها وتاريخها وأصولها وفروعها للرد على دعاتها، وكان أكثرهم لا يتصدون للرد إلا إذا بلغوا في فهمها بعيدًا، ويعدل أو يفوق شأن علمائها وأربابها [1] .
إن القاعدة الأهم التي ينطلق منها النقد الإسلامي للعهد القديم هو إجماع علماء المسلمين على أنه محرف سواء كان التحريف واقع فيها بقسميه اللفظي والمعنوي، وسواء دافع اليهود عن كتابهم بنفيه التحريف عنه إلا أن هذا لا يؤثر في قيمة الحكم الجازم الحازم بأن هناك من عبث فيه، خاصة وأن جميع الطوائف من المسلمين واليهود والنصارى يشهدون أنه قد وقع في الكتب السابقة على نزول القرآن الكريم بما فيها التوراة تحريف وتبديل في معانيها وتفسيرها وشرائعها، وهذا مما يثبته ابن تيمية في الجواب الصحيح، وحذا حذوه تلميذه ابن قيم الجوزية حين قرر في كتابه هداية الحيارى أن القوم حرفوا في توراتهم بما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء ما لا يشك فيه ذوو بصيرة، والتوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام بريئة.
وعندما نمعن النظر في حديث"القرآن عن التوراة"نجد أنه يتحدث عن توراتين:
التوراة الأولى: التوراة الربانية: وهي كتاب الله الكريم الذي أنزله على موسى عليه السلام.
التوراة الثانية: التوراة اليهودية: وهي التي ألفها الأحبار بعد ذلك، وحرفوا التوراة الأولى الربانية وغيروها وبدلوها.
وقد أثنى القرآن على التوراة الأولى، وأمرنا بالإيمان بها، لأنها كلام الله. بينما ذم التوراة الثانية، وأدان الذين ألفوها، ودعانا إلى عدم الإيمان بها، لأنها من تأليف الأحبار [2] .
وجه القرآن الكريم سهام النقد للعهدين القديم والجديد معًا، وفي اقتصارنا على النقد الإسلامي المؤسس على القرآن الكريم في نقد التوراة، فقد اتهم القرآن عبر آيات كثيرة أحبار اليهود بممارسة اللبس والكتمان والتي تنطوي على معرفتهم للحق مع كتمانهم له، وهذا الحق هو ما أنزل الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه مذكور عندهم في كتابهم، أما التلبيس فالمقصود به ومنه هو عملهم في تخليط الحق بالباطل إمعانًا في إخفاء الحق
(1) دكتور وليد علي الطنطاوي، الجذور القرآنية لعلم مقارنة الأديان، بحث في: مقارنة الأديان، قسم الدعوة وأصول الدين، كلية العلوم الإسلامية، جامعة المدينة العالمية، ماليزيا.
(2) دكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي: حديث القرآن عن التوراة، الأردن، دار العلوم للنشر والتوزيع، الأردن، 2004 م.