فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 69

عن الأبصار والعقول، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [1] .

كما بين القرآن الكريم أن هناك تحريفًا أصاب تلك الكتب، مثلما جاء في قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [2] ، وسواء كان هذا التحريف ماديًا وهو بامتداد يد بشرية أعملت بقلمها في تبديل الألفاظ وتحويلها وتحويرها وتحريكها من أماكنها عن عمدٍ وقصد، أو تحريفٍ معنوي قُصِدَ منه فقط اللعب على تغيير مدلولات الألفاظ وكلماتها وتفريغها من المعنى الإلهي إلى معنى بشري يوافق أهوائهم، وقد توعد الله عز وجل من يُقدِمون على هذا الفعل الشنيع الذي يحمل اجتراء على الله تعالى وعلى النص الإلهي الحق بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَ•ذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [3] .

إن المتتبع لجهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس سيكتشف بحق عمق المنهج العلمي الدقيق الذي استلهموه من علومهم الإسلامية؛ فقد عرف المسلمون الكثير من العلوم الدينية، والتي تناولوها بشكل مبتكر يختلف عن تناول اليونان، الذين تحدثوا عن الأديان ضمن أحاديثهم الاجتماعية أو بحوثهم الفلسفية والجدلية؛ فقد كتب المسلمون عن الدين بطريقة وصفية واقعية منعزلة عن سائر العلوم والفنون وشاملة لكافة الأديان المعروفة في عهدهم. فكان لهم السبق في تدوين الدين علمًا مستقلا، قبل أن تفعل ذلك أوربا الحديثة.

كذلك المسلمون في وصفهم للأديان لم يعتمدوا على الأخيلة والظنون، ولا أخبار العامة، ولا على المشاهد من العادات والطقوس الدينية في الطبقات الجاهلة، التي كثيرا ما تنحرف عن حقيقة أديانها، بل كانوا يستمدون أوصافهم لكل ديانة من المصادر الموثوق بها وبعد أن جعلوا الدين علما مستقلا، حاولوا وضع مناهج علمية لدراسته هذا الكلام تؤيده المؤلفات الكثيرة المختصة في علم الملل والنحل (علم الأديان) ، إلى جانب المؤلفات الكلامية التي نجد فيها الرد على العقائد المحرفة ونقدها خاصة المسيحية منها. هذا الرد الذي يستند إلى نفس التقنيات المنهجية التي ظهرت في الغرب حديثا، من نقد للنصوص ومقارنتها والنظر في متنها وسندها بغرض إثبات مصداقيتها، والشواهد على ذلك أكثر من أن تعد [4] .

(1) [سورة آل عمران: (71) ] .

(2) [سورة البقرة: (75) ] .

(3) [سورة البقرة: (79) ] .

(4) محمد عبد الله دراز: الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القلم، الكويت، 1982 م، ص 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت