فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 69

نستطيع رد الاختلاف البين بين سفر التكوين والقرآن الكريم في قصة خلق الكون للأسباب التالية:

• التحريف:

إن ما أثبتناه من قبل عن التوراة التي كتبها نبي الله موسى عليه السلام والتي أسماها"الهدى"أو"الإرشاد"لم تسلم من التحريف بأيدي كهنة الهيكل عبر التاريخ، وهذا ما أدخل على قصة الخلق في سفر التكوين وهو من أهم أسفار القسم الأول من التوراة ما لم ينزله الله تعالى، وقد ثبت هذا للعلماء الذين عاينوا هذا السفر وغيره من علماء اليهودية والمسيحية والإسلام على السواء، وذلك لتباين اللغات وتعدد الأساليب الناشئ عن أن كتابة التوراة كان عملًا اتسم بالجماعية من أجيال متتابعة من محررين وكهنة على مدى حقب زمنية متعاقبة، هذا الأمر الذي حاول كثير من علماء الدفاع اللاهوتي الدفاع عنه بأنها كتابة بشرية تحت عناية وأنظار العناية الإلهية!

والثابت أن معظم سفر التكوين ومعه سفر الخروج قد تم كتابتهما في القرن التاسع قبل الميلاد، أي بعد وفاة موسى عليه السلام بنحو ستة قرون، فأي ذاكرة تلك التي تستوعب وتكتب أحداث لم تشهدها، وأي روح قدس تلك التي أملتها عليها أو أحاطتها بالعناية الإلهية مخافة التحريف أو التبديل أو الزلل؟!

ولقد ثبت أن هذا السبب هو الأكثر تأثيرًا في كون نص العهد القديم قد أتى مخالفًا ومتناقضًا وغير متوافق مع وجهة النظر العلمية في العصر الحديث.

وكيف لا ندهش لذلك خاصة إذا علمنا أن النص الأكثر تفصيلية عن رواية الخلق في التوراة قد كُتِبت بأقلام كهنة عصر النفي إلى بابل، وقد كان لهؤلاء الكهنة الأهداف التشريعية التي اصطنعوا لها رواية تتفق ونظرتهم اللاهوتية [1] .

• الانحراف العقدي اليهودي في تصور"الإله":

لقد كان لانحراف العقيدة اليهودية في تصورها للرب (يهوه) إله إسرائيل على نحو إنساني، وتشخيصها له على هذا النحو الذي أسقطوا عليه كافة السلوك البشري بجانبه السلبي والإيجابي وإن كان أكثر سلبية في سلوكه وصفاته التي اتسمت بالعناد، والميل لحب الحرب والقتال، والتعطش للدماء، وانقلابية الأطوار، والتهور والحماقة، وسرعة وقوعه في الأخطاء ثم الندم عليها، والغضب لأتفه الأسباب.

(1) موريس بوكاي:"القرآن الكريم، والتوراة والإنجيل والعلم، دراسة الكتب السابقة في ضوء المعارف الحديثة، دار المعارف، القاهرة، 1982 م، ص 172."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت