إن دافعية القرآن الكريم إلى التفكير كانت هيَ الركيزة الأساسية للعلماء الذين تلقوها بشكل غير صريح للتعرف على مناهج الديانات السابقة خاصة مع الاعتراف القرآني للرسالة الخاتمة بأنها الدين الحق، ولذا فقد اتًخذَتْ مقياسًا لعرض تلك الديانات وما تدعو إليه عليها، والبحث عن نقاط الخلاف والاتفاق بين عقيدة الإسلام التي ظلت على نقائها ووحدانيتها لم تدنسها يد الشرك والتحريف والانحراف عن جادة الصواب، المنهج الرباني الخالص.
يعد ابن حزم الأندلسي هو المؤسس الحقيقي لعلم نقد الكتاب المقدس [1] .
كما يعتبر علم التاريخ المقارن للأديان الذي وضع أساسه الإمام أبو محمد بن حزم مفخرة للأمة الإسلامية، وليس للأندلس فقط، حيث وظف هذا العلم لخدمة الدين الإسلامي الحنيف، وبطلان باقي الديانات الأخرى بسبب ما لحق كتبها من تحريف وتزييف، حيث أظهر براعة فائقة في مقارنته للفرق والديانات عن طريق استعماله للمنهج النقدي في إثبات ما ذهب إليه، فسبق عصره في هذا الميدان، فمما لا شك فيه أن ابن حزم يعود إليه فضل الأسبقية في هذا العلم وتطبيقه لمنهج صارم في نقد الكتاب المقدس، ما حدا ببعض الباحثين الغربيين على اعتباره مؤسس علم مقارنة الأديان بلا منازع، وإن كتابه الفصل في الملل والأهواء النحل أشهر ما صنف في هذا الباب ولذلك حظي ابن حزم في الغرب بهالة من التقدير والإجلال، كما يعد الإمام ابن حزم من أوائل علماء مقارنة الأديان، حيث رسم المنهج ووضع الأساس، كما ناقش بعض علمائهم وأفحمهم بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية [2] .
نقد ابن حزم الأندلسي التوراة خاصة، و هو نقد علمي سبق به علماء الغرب والمختصين بنقد الكتاب المقدس، واعتبر بحق رائد الدراسات النقدية، وانتهى من دراسته بنتائج قامت على أساسها مدارس نقدية في الغرب، ذلك أنه قد سبق أيضًا العلماء الذين سبقوه تاريخيًا وزمنيًا وأسهموا في مسيرة علم مقارنة الأديان غير أن الذي يحسب له
(1) دكتور مصطفى زاهار: مقاربات لدراسة النص التوراتي .. سفر راعوث أنموذجًا، دمشق، دار صفحات للدراسات والنشر 2012، ص 190.
(2) بو شريط محمد، ابن حزم ومقارنته للأديان من خلال كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل .. الوحدانية في ميزان المسيحية واليهودية، مجلة المواقف في البحوث والتاريخ، عدد إبريل، الجزائر، 2008، ص 117. انظر محمود علي حماية، ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، دار المعارف، القاهرة،1983، ص 8،7. انظر: دكتور مصطفى حلمي، الإسلام والأديان .. دراسة مقارنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 126.