لقد كان هذا الفتق إيذانًا بتكون الأجرام السماوية والتي منها المجموعة الشمسية نتيجة لهذا الانفجار العظيم، ذلك أن الباحثين في تكوين تلك الأجرام أطلقوا اصطلاح"الدورات التكوينية"وبذلك يحتل انفصال الأرض عن السماء هو الدور الثاني في عملية خلق الكون، وكان ناتجًا عن الانفجار دخانًا هذا الدخان الذي يحدد طبيعة الجرم السماوي بالكتلة التي تنفصل عنه، ولقد جاء القرآن الكريم ليصحح المعتقدات الخاطئة عن كون الشمس هي مركز الكون وأنها ثابتة من حيث الحجم والكتلة، ولذا فقد استلزم هذا أن تدور حول نفسها أو حول محورها المركزي، مثلما ظن العلماء أن المجموعة الشمسية هي كل ما يحيط بنا من كون، وهو عينه ما يفسر عدم اليقين بكون الأرض أم السماء كانت لهما الأسبقية في الخلق على الآخر، وذلك مرجعه أن الذي خلقه الله بعيد الانفجار الكوني ما نطلق عليه"الكون المنظور"وتدخل الأرض فيه قبل"الدحو"أي أن يدحوها الله تعالى و يمدها، و يخرج ماءها و مرعاها و ذلك في الأربعة أيام الأولى، أما السموات السبع تحديدا فخلقهن من الدخان الكوني في اليومين التاليين و طبعا ليس المقصود بالسموات السماء المنظورة و لكن ما فوقها من الطباق التي هي عوالم أخرى لا يحيط بعلمها إلا الله و فيها جنوده من الملائكة و أرواح الأنبياء و فيها عُرج بالنبي صلى الله عليه و سلم إلى الملكوت الأعلى.
وليس من غاية الدراسة في هذا الكتاب استقصاء خلق الكون في القرآن الكريم على إطلاقه وإنما ما يتقاطع أو يتشابه مع سفر التكوين من موضوعات، ولولا هذا لأسهبنا في عرض الكثير من النظريات العلمية التي تأتي مسايرة ومتطابقة مع ما أتى به القرآن الكريم في هذا الشأن.
ولقد أسفر تناول خلق الكون في الأيام الست بين سفر التكوين والقرآن الكريم، أن كلا الكتابين اتفقا في عدد أدوار الخلق أنها ست، كما اتفقا في أن النجوم هي مصدر النور، ولكن اختلفا من حيث أن القرآن الكريم يتفرد بما لم يذكره السفر المذكور من أن نشأة الكون جاءت عبر انفجار عظيم، كما أن الأدوار الست هي مراحل وليست أيام بالقياس البشري كما صورتها التوراة، كما انفرد القرآن الكريم بوصف الحالة الأولية في بداية عملية خلق الكون بالحالة الغازية"الدخان"وهو ما يتطابق مع معطيات العالم الحديث، وهذه الحالة قد احتاجت ملايين السنين حتى بردت قشرتها، لا يومًا واحدًا كما ذكرها سفر التكوين.
ولقد اشتمل العهد القديم فيما أورده في سفر التكوين من خلق السموات والأرض خلال الأيام الست على أخطاء، منها: إشارته إلى وجود الماء في المرحلة الأولى، كما جاء ذكر النور في اليوم الأول قبل أن تخلق النجوم، وكذلك جاء ذكر الليل والنهار في اليوم الأول ولما لم تخلق الأرض بعد، ولم تدر حول الشمس ليحدث التعاقب.