فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 69

ولقد ضرب القرطبي في تفسيره المسمى الجامع لأحكام القرآن، مثالًا لتقدير الأقوات في أربعة أيام كقول القائل: (خرجتُ من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يومًا، أي في تتمة خمسة عشر يومًا) .

والذي يصحّ أن يكون جديرًا بالقبول في هذا الموضوع: أن يُحمَل الخلق في قوله تعالى:"أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين .. الآيات"على التقدير والقضاء، لا على الإيجاد والحصول، أي: قدَّر وجود الأرض، وحكم بأنها ستوجد في مقدار يومين، وبذلك تتلاشى شبهة: كيف كان ذلك في أيام مع أنه لا يوم إذ ذاك، ضرورة أن اليوم يمتاز عن الليلة بطلوع الشمس وغروبها ولا شمس ولا قمر."وبارك فيها وقدر فيها أقواتها"أي: قدّر وقضى أن يكثر خيرها بخلق أصناف الحيوانات وأنواع النبات على ما تقتضيه الحكمة، وتستدعيه مصلحة العباد"في أربعة أيام"أي: في تتمة أربعة أيام مقدار يومين آخرين منضمين إلى مقدار يومي خلق الأرض، فتكون مدة خلق الأرض وما يتعلق بها مقدار أربعة أيام، وتكون مدة خلق السماء يومين، وبذلك تتعلق آيات فصلت بالآيات الناطقة أنه تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهذا تمثيل وتصوير لكمال قدرته تعالى، وأنه لا يمتنع عليه تعالى شيء مما قدره وتعلقت قدرته بحصوله وإيجاده، وبهذا انحسر اللثام، واتضح المقام أن"ثم"إنما هي للترتيب بين التقدير والإيجاد، لا بين إيجاد الأرض وإيجاد السماء [1] .

إن الآيات التي تتناول خلق السماوات والأرض منذ النشأة تؤكد أنهما كانا معًا كتلة واحدة ثم حدث انفصال بينهما، كما جاء في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [2] .

وهي مرحلة من مراحل خلق الكون بالرتق والفتق، وهذه الآية في مفهومها العلمي كانت عصية على كثير من المفسرين إلى أن جاءت النظريات العلمية التي تفهمتها ووضحتها لتؤكد أن الفتق هنا معنى يشير إلى فعل القطع أو فك جسمين متلاحمين ما يشير إلى الفصل بينهما تمامًا، وذلك بغية استقلال كل منفصل بذاته في تكوين جديد خاص به، وبارتباط الآية السابقة بالآية (41) من سورة فصلت التي تصف السماء بكونها دخان، يكون القرآن الكريم قد قدم فيهما الخلاصة المركبة وموجز الظاهرات لكافة العمليات الرئيسية التي شكلت الكون الذي نعيش فيه [3] .

(1) دكتور الطيب النجار، لا تعارض في آيات الكتاب الكريم، مركز تفسير للدراسات القرآنية، 2014 م.

(2) [سورة الأنبياء: (30) ] .

(3) موريس بوكاي:"القرآن الكريم، والتوراة والإنجيل والعلم، دراسة الكتب السابقة في ضوء المعارف الحديثة، دار المعارف، القاهرة، 1982 م، ص 162."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت