إن إبداع وتطبيق منهج نقدي للأديان، كانت نواته وبدايته مع علماء الحديث الذين ابتكروا منهجية، لم تعرف من قبل، بهدف تخريج الأحاديث، فظهر ما يعرف بالجرح والتعديل والمتن والسند، وذلك لإعطاء الصفة العلمية والشرعية لنص الحديث الشريف، ولعلم الحديث كدراسة وتخصص.
لقد تنبه المحدثون إلى أن الحديث هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، والخبر ما جاء عن النبي وغيره، ومن ثم اعتبروا الحديث ما جاء عن النبي فقط، أما عملية النقل والرواية وما يدخل فيها من كلام، غير كلام النبي، فهي خبر، والخبر له معنى ديني، وآخر تاريخي يقص أحداثا ماضية سبقت ظهور الإسلام، أو أتت بعده، من هنا كانت الصلة وثيقة جدا بين التاريخ كتخصص مستقل وعلم الحديث، باعتبار أن المؤرخين المسلمين استعاروا منهج المحدثين وطريقتهم في تدوين الحديث الشريف خوفًا من أن يشيع فيه غير الصحيح.
لقد تعامل المؤرخ المسلم بالدقة والتحري في تسجيل الحوادث وتأريخها بالسنة والشهر واليوم مخافة المجازفة بظلم من يكتب أو يروي عنهم فينسب لهم ما ليس فيهم أو ما لم يقولوه، لأن منطلقه في كتابة التاريخ ليس الالتزام بالمنهجية العلمية وحسب بل المنطلق العقدي الإيماني، حتى اهتموا بالإسناد وبينوا أهميته من خلال عبارات مشهورة صاغها العلماء، أمثال:
محمد بن سيرين: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) ، وسفيان الثوري: (الإسناد هو سلاح المؤمن. فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟) ، وعبدالله بن المبارك: (الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) .
والإسناد هو رفع الحديث إلى قائله هذا بحسب تعريف علم الحديث، وبحسب علم التاريخ هو إرجاع الرواية التاريخية إلى شخص شاهد عيان، ولأهمية الإسناد فقد تعدى استخدامه لكل العلوم كعلم الأدب العربي، والتاريخ والطب وغيرها من علوم. علاوة على أن هذا المنهج العلمي الصارم الدقيق غير المسبوق يأتي من منطلق ديني إيماني فيه خشية من الله ورسوله والخوف الجليل من التحريف والتبديل خاصةً إذا علمنا أن المحدثين كانوا هم المؤرخون في بادئ الأمر [1] .
(1) نعيمة إدريس: أزمة المسيحية بين النقد التاريخي والتطور العلمي، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، جامعة منتوري قسنطينة، الجزائر، 2008 م، ص 13.