فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 89

ولم يرجعوا عما هم فيه؛ أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم. {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا} : أي وسنة الله في ذلك لا تتبدل ولا تتغير [1] فهي سنة نافذة وقانون مطرد لا يتخلف ولا يتحول، وإذا كان ابن كثير [2] يعبر عن السنة في هذه الآيات الكريمة بالعقوبة فإني أرى أنه يقصد بها مآلها؛ أي المنتهى والمصير الذي تصير إليه عاقبة هؤلاء، فيصابون بعقوبة الأمم التي كذبت من قبل ومآل الكلام واحد وليس معناها هنا العقوبة إلا من ناحية مآل هذه السنة إلى العقوبة «فالأمور لا تمضي في الناس جزافًا، والحياة لا تجري في الأرض عبثًا، فهناك نواميس ثابتة تتحقق لا تتبدل ولا تتحول، والقرآن يقرر هذه الحقيقة ويعلمها للناس كي لا ينظروا الأحداث فرادى، ولا يعيشوا الحياة غافلين عن سننها الأصلية محصورين في فترة قصيرة من الزمان وحيز محدود من المكان، ويدفع تصورهم لارتباطات الحياة وسنن الوجود فيوجههم دائمًا إلى ثبات السنن واطراد النواميس ويوجه أنظارهم إلى مصداق هذا فيما وقع للأجيال قبلهم، ودلالة ذلك الماضي على ثبات السنن واطراد النواميس، وهذه الجولة الخامسة (التي يلفت فيها الله تعالى أنظار الناس إلى السير في الأرض والنظر في عاقبة الذين من قبلهم وقد كانوا أشد منهم قوة) نموذج من نماذج هذا التوجيه بعد تقدير الحقيقة الكلية من أن سنة الله لا تتبدل ولا تتحول {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [3] .

والسير في الأرض بعين مفتوحة وقلب يقظ، والوقوف على مصارع الغابرين وآثار الذاهبين، وإيقاظ القلوب من الغفلة التي تسدر فيها فلا تقف، وإذا وقفت لا تحس، وإذا أحست لا تعتبر، وينشأ عن هذه الغفلة غفلة أخرى عن سنن الله الثابتة وقصور عن إدراك الأحداث وربطها بقوانينها الكلية، وهي الميزة التي تميز بها الإنسان المدرك من الحيوان البهيم الذي يعيش حياته منفصلة اللحظات والحالات لا رابط لها ولا قاعدة تحكمها، والجنس البشري كله وحدة أمام وحدة السنن والنواميس [4] {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [5] .

وقد ورد في سورة غافر كذلك لفظ (سنة) ؛ وذلك في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا

(1) انظر: تفسير القرآن العظيم، جـ 3 صـ 519 بتصرف يسير.

(2) انظر معنى السنة في الآيات الكريمة عند ابن كثير في جـ 3 صـ 563.

(3) فاطر: 44.

(4) انظر: في ظلال القرآن، جـ 5 صـ 2949 - 2950، بتصرف وترتيب.

(5) فاطر: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت