فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 89

والمجتمعات، فإذا وقفنا عند قانون من قوانين الله تعالى -كقانون النصر- نعلم أن له ضوابط ومعالم تنسحب على الجميع دون مجاملة ولا محاباة.

والناظر في حياة الرسول وسيرته يجد هذا المعنى واضحًا، فعندما أخذ الصحابة سنة الله في النصر مثلا آتى النصر لهم أُكُله وأعطى ثمره، وعندما خالفوا أمر الرسول وترهلت قبضتهم عن عنصر من عناصر النصر لم تنخرم لهم القاعدة ولم تتبدل لهم السنة؛ بل حكمت عليهم وفيهم أعظم خَلْق الله - صلى الله عليه وسلم -. ولعل أبرز مثال على ذلك موقف المسلمين في غزوة أحد عندما خالفوا أمر رسول الله وتركوا حماية ظهورهم من أعلى الجبل - أقصد فصيلة الرماة -فقد تبدل الأمر وتحول من نصر إلى هزيمة؛ لأنهم لم يحققوا سبب النصر من السمع والطاعة المطلقة للرسول. «لقد كان المسلمون السابقون على ثقة من نصر الله تعالى لهم، وكانت موقعة بدر أول تباشير هذا النصر، فلما رأوا أن الله تعالى نصرهم على قلتهم وضعفهم بعد ما كان من دعاء الرسول وتضرعه واستغفاره ربه، زادهم ذلك إيمانًا بأنهم هم المنصورون، ولكن وقع في نفوس الكثيرين إن لم نقل في نفوس الجميع أن نصرهم سيكون بالآيات وبالعناية الإلهية الخاصة من غير التزام بالسنن الإلهية في الاجتماع البشري، وأن وجود الرسول فيهم ودعاءه على أعدائهم هما أفعل في التنكيل بالكفار من التزام الأسباب الظاهرة التي أهمها طاعة القائد والتزام النظام العسكري وغير ذلك، ولكن الإسلام دين الفطرة لا الفوارق. هذا البيان الإلهي في هذه الواقعة تمكن في النفوس ما لا يتمكن لو لم يكن مقرونًا بواقعة مشهودة لا مجال معها لتأويله ولا لتخصيصه أو تقييده» [1] .

ذلك أن السنن سنن عامة تنطبق على البشر جميعًا، وليست خاصة بطائفة دون طائفة ولا لجيل دون جيل، والذي يؤكد عمومية الموضوع أن الله يقول للرسول: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إلى وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [2] ويصور الرسول هذا الموضوع بصورة من يرى المستقبل من خلال السنن حين يقول: «ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين من قبلكم (أهل الكتاب) حذو القذة بالقذة [3] حتى إنه يصل في المشابهة إلى أن يحشرهم في جحر الضب، ومثل هذا النظر إلى الموضوع هو الذي نفتقده الآن، وعلينا أن نكتسبه. وهذه النظرة القرآنية هي التي تجعل المسلم قادرًا على

(1) انظر: تفسير المنار، جـ 4 صـ 97، 98، بتصرف يسير.

(2) الأحقاف: 9.

(3) الحديث رواه أحمد، مسند الشاميين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت