فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 89

الاعتبار الذي يلح عليه القرآن، فأمامنا تجارب القرون الماضية، تجارب كثيرة تظهر فيها سنن الأقوام التي يخضع لها المسلمون أيضًا كأي قوم من الأقوام، وهذا النظر القرآني يجرد الإنسان من ملابساته ويرجعه إلى أصله المجرد الذي يخضع للسنن» [1] .

فالسنة الإلهية تجري على الجميع لا فرق بين مجتمع ومجتمع، ولا فرق بين ديانة وديانة، ولا فرق بين جيل وجيل، وإلا لما دعا القرآن الكريم إلى التفكر في آثار السابقين. فالذي يفهم السنن الإلهية وعمومها يملك القدرة على التعامل مع هذه السنن، ويحسن الاستعداد لنتائجها، وقد قال قوم جهلوا ذلك ندمًا في الآخرة: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [2]

السنن الربانية مطردة:

كما تتسم السنن الإلهية (بالحاكمية والهيمنة) على الجميع، فهي أيضًا مطردة لا تتخلف ولا تتبدل، ومن هنا أمرنا الله تعالى بالاتعاظ والاعتبار {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ} [3] وذلك بعد أن ذكر لنا حال يهود بني النضير؛ أي «اتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي، واعتبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله تعالى الصائرة سببًا لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، ومفارقة أوطانهم كارهين إلى حال أنفسهم، فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عز وجل؛ بل توكلوا عليه» . [4] وحفل القرآن الكريم بالآيات التي تثبت هذا المعنى وتقويه، وبعض الناس يخرج النكبات التي تصيب الصالحين عند عدم تعاملهم مع الأسباب يخرجها على أنها ابتلاء ورفع درجات أو تكفير سيئات وما أشبه هذا الكلام، ولكن الصواب أنه راجع إلى عدم تخلف السنن واطرادها في كل حال «إن القرآن الكريم بين للناس أن سنن الله تعالى في خلقه إنما تنفذ على سنن حكيمة وطرائق قويمة، ومن سار على سننه ظفر بمشيئة الله وإن كان ملحدًا وثنيا، ومن تنكبها خسر وإن كان صديقًا نبيا, وكأن بعض المسلمين لم يكونوا قد حفظوا ما ورد في السور المكية من إثبات سنن الله في خلقه، وكونها

(1) انظر: حتى يغيروا ما بأنفسهم، للأستاذ جودت سعيد، صـ 27، 28، ط مطبعة الحسين الجديدة، ط الثالثة، 1397 هـ 1977 م، بتصرف واختيار.

(2) الملك: 10.

(3) الحشر: 2.

(4) انظر: روح المعاني للألوسي، جـ 28 صـ 235، ط دار الكتاب العلمية، ط الأولى، 1415 هـ 1994 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت