فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 89

[وقد ذكر المفسرون معاني عديدة للأسماء أنسبها قولهم: إنها علم حقائق الأشياء، والمراد بالعلم هنا العلم الإجمالي، وهو يشير إلى الصلاحية] [1] .

وهذه الآية الكريمة: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} تجعل المسلم يشهد طرفًا من هذا السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري، وهو يسلمه مقاليد الخلافة؛ سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها وهى ألفاظ منطوقة رموزًا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة، وهي قدرات ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض، تدرك قيمتها حين تتصور الصعوبة الكبرى لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات والمشقة في التفاهم والتعامل حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه ... إنها مشقة هائلة لا تتصور معها الحياة، وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات [2] .

فلا شك أن تعلم آدم للأسماء نوع من إعداده وتهيئته للقيام بمهمته في الأرض، ولولا هذا التعليم لأنواع الأشياء وأسمائها وخصائصها لما تيسر له العيش في هذه الأرض ولا الانتفاع بخيراتها. والناظر في القرآن الكريم وآياته يرى أنها تأمر المسلم بل الإنسان بصفة عامة بالسير في الأرض والتفكر فيها، وفي دلائل قدرة الله تعالى من خلالها والنظر إلى السماء والوصول من خلال ذلك إلى مكونها وباني سمكها ورافعها بلا عمد تراها. لولا صلاحية الإنسان لهذا الإدراك لما أمره الله تعالى بالسير والتفكير والذي كثرت الدعوة إليه في القرآن الكريم «لقد بين القرآن أن الكون وما به من الشمس والقمر وغير ذلك مسخر لخدمة الإنسان، وأن الإنسان منح الصلاحية لتسخير هذه الأشياء بالعقل والتجربة، حدث ذلك في الوقت الذي كانت الأديان الأخرى ترى الكون وظواهره أمرًا فوق القوة وشيئًا مقدسًا، وكانت تعبده على هذا التصور، وكانوا يرون أن دراسة الكون أمر مذموم بناء على تصور أن الله تعالى خلق الكون ثم منحه الشيطان للتصرف فيه، وكانوا ينسبون كل من يشتغل بهذه الأمور إلى الجن» . [3]

والذي ينظر إلى العالم الغربي وموقفه من العلم والعلماء في العصور السابقة يدرك تمام الإدراك هذا المعنى؛ فالمحاكم التي نصبت لرواد العلماء في أوربا تظهر مدى كرههم للعلم والمعرفة، أما الإسلام

(1) انظر: النظام الإلهي للرقي والانحطاط، لمحمد تقي الأمين، ترجمة د. مقتدى حسن الأزهري، صـ 12 - 13.

(2) في ظلال القرآن، جـ 1/ 57، بتصرف يسير.

(3) النظام الإلهي في الرقي والانحطاط، ص 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت