منه بيع الغرر. ومن الغرر ما يمكنه قبضه وعدم قبضه: كالدواب الشاردة؛ لأن مقصود العقد - وهو القبض - غير مقدور عليه [1] .
وهناك صور كثيرة من معاملات الكسب الحرام وبأشكال مختلفة ومتعددة، لهذا يجب الحذر منها كل الحذر، وعدم التعامل بها، لأن الحرام بين والحلال بين، والله عز وجل لا يريد لنا إلَّا الخير والسلامة من كل إثم، وعلى المسلم الحريص على مأكله ومشربه أن يسأل عن كل ما يشتبه عليه قبل بيعها أو شرائها، لأن ذلك أحوط له في ديناه وآخرته.
الصورة الثالثة والثلاثون: التكسب الحرام من (الاحتكار) : وهو أن يحبس سلعة يحتاجها الناس حتى يغلو سعرها لقلة وجودها في السوق، ثم يبيعها بسعر غالٍ مستغلًا حاجة الناس، فما يأكله من مال زائد عن سعرها الطبيعي حرام، وهو آثم بحبس السلعة عن الناس وهم يحتاجونها، فعَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، يُحَدِّثُ أَنَّ مَعْمَرًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ ) ) [2] .
قال الإمام النووي: (الاحتكار المحرم هو في الأقوات خاصة بأن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو وأما غير الأقوات فلا يحرم فيه الإحتكار والخاطئ هو العاصي الآثم) [3] .
وقال في تحفة الأحوذي: (قَالَ الْحَافِظُ الِاحْتِكَارُ الشَّرْعِيُّ إِمْسَاكُ الطَّعَامِ عَنِ الْبَيْعِ وَانْتِظَارُ الْغَلَاءِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ وبِهَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وعَنْ أَحْمَدَ إِنَّمَا يَحْرُمُ احْتِكَارُ الطَّعَامِ الْمُقْتَاتِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ انتهى) [4] .
الصورة الرابعة والثلاثون: التكسب الحرام من (انشغال المسلم بطلب المال المباح) : بمعنى أن ينشغل المسلم بطلب المال المباح عن إقامة فريضة الصلاة والجهاد وصلة الرحم ونحو ذلك من الفرائض العينية أو الفرائض الكفائية إذا تعيَّنت عليه، فإذا انشغل بطلب المال المباح في هذه الحالة وهو يجد الحد الأدنى الذي يعيش به؛ فإنه يكون قد أدخل على نفسه كسبًا حرامًا لأنه شغله عن واجب من
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 30/ 264 و 265.
(2) أخرجه مسلم 3/ 1227 برقم 129 - (1605) .
(3) انظر: مرقاة المصابيح شرح مشكاة المصابيح - باب الاحتكار 5/ 1950 برقم (2892) .
(4) انظر: تحفة الأحوذي 4/ 404.