الصفحة 123 من 167

أو كان مستعينًا به على معصية الله ولهذا كانت أموال الكفار غير مغصوبة بل مباحة للمؤمنين وتسمى فيئًا إذا عادت إلى المؤمنين؛ لأن الأموال إنما يستحقها من يطيع الله لا من يعصيه بها فالمؤمنون يأخذونها بحكم الاستحقاق والكفار يعتدون في إنفاقها كما أنهم يعتدون في أعمالهم فإذا عادت إلى المؤمنين فقد فاءت إليهم كما يفيء المال إلى مستحقه [1] .

وسئل أيضًا عن الخمر، والحرام: هل هو رزق الله للجهال؟ أم يأكلون ما قدر لهم؟.

فأجاب: إن لفظ الرزق يراد به ما أباحه الله تعالى للعبد، وملكه إياه، ويراد به ما يتغذى به العبد. فالأول كقوله: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (المنافقون: 10) ، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (البقرة: 3) ، فهذا الرزق هو الحلال، والمملوك لا يدخل فيه الخمر والحرام. والثاني كقوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُهَا} (هود: 6) ، والله تعالى يرزق البهائم، ولا توصف بأنها تملك، ولا بأنه أباح الله ذلك لها إباحة شرعية، فإنه لا تكليف على البهائم وكذلك الأطفال والمجانين لكن ليس بمملوك لها وليس بمحرم عليها، وإنما المحرم بعض الذي يتغذى به العبد، وهو من الرزق الذي علم الله أنه يغتذى به. وقدر ذلك بخلاف ما أباحه وملكه، كما في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي أنه قال: (( يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُبْعَثُ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، قال: فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا ) ). والرزق الحرام، مما قدره الله، وكتبته الملائكة، وهو مما دخل تحت مشيئة الله، وخلقه، وهو مع ذلك قد حرمه، ونهى عنه، فلفاعله من غضبه وذمه وعقوبته ما هو أهله، والله أعلم [2] .

ثانيًا - فتوى الشيخ محمد صالح المنجد:

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية 8/ 542 وما بعدها.

(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية 8/ 545 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت