الصفحة 137 من 167

إلى دافعه؟. وإن قيل: والدافع قبض العين واستوفى المنفعة بغير حق، كلاهما قد اشتركا في دفع ما ليس لهما دفعه، وقبض ما ليس لهما قبضه، وكلاهما عاص لله، فكيف يخص أحدهما بأن يجمع له بين العوض والمعوض عنه، ويفوت على الآخر العوض والمعوض؟، فإن قيل: هو فوت المنفعة على نفسه باختياره قيل: والآخر فوت العوض على نفسه باختياره فلا فرق بينهما وهذا واضح بحمد الله) [1] .

وقد توقف شيخ الإسلام ابن تيمية في وجوب رد عوض هذه المنفعة المحرمة على باذله أو الصدقة به في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) ، وقال: (الزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، فاستوفوا العوض المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين رد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال، وهذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته، وأخذ عوضها جميعًا منه، بخلاف ما إذا كان العوض خمرًا أو ميتة، فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها، فإنها لو كانت باقية لأتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر، أعني من صرف القوة التي عمل بها) [2] .

ثم أورد على نفسه سؤالًا، فقال: فيقال على هذا فينبغي أن تقضوا بها إذا طالب بقبضها؟. وأجاب عنه بأن قال: قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها، كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم يحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم يحكم بالرد، ولكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة؛ لأنه كان معتقدًا لتحريمها، بخلاف الكافر، وذلك لأنه إذا طلب الأجرة فقلنا له: أنت فرطت حيث صرفت قوتك في عمل يحرم، فلا يقضى لك بالأجرة فإذا قبضها وقال الدافع هذا المال: اقضوا لي برده فإني أقبضته إياه عوضًا عن منفعة محرمة قلنا له: دفعته معاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ فاردد إليه ما أخذت، إذا كان له في بقائه معه منفعة، فهذا محتمل قال: وإن كان ظاهر القياس ردها لأنها مقبوضة بعقد فاسد انتهى [3] .

(1) زاد المعاد في هدي خير العباد 5/ 691.

(2) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 2/ 47.

(3) المستدرك على مجموع الفتاوى 4/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت