أعطاها قهرًا، وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعة، ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث، كما حكم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن خبثه لخبث مكسبه، لا لظلم من أخذ منه، فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به، فإن كان محتاجًا إليه، فله أن يأخذ قدر حاجته ويتصدق بالباقي، فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه عينًا كان أو منفعة، ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخبث كسب الحجّام، ولا يجب رده على دافعه [1] .
شبهة والرد عليها:
بعد ما تقدم فإنه يحرم رد المال الذي أخذ عوضًا على محرم إلى صاحبه، وعليه ترد ها هنا شبهة لابد من الإجابة عليها، مفادها؛ أنه إذا جاز صرف هذه الأموال المحرمة إلى وجوه الخير، فصرفها إلى أصحابها الأصليين جائز عند احتياجهم إليها من باب أولى؟، وذلك بأن يقال: الدافع ماله في مقابلة العوض المحرم دفع ما لا يجوز له دفعه، بل حجر عليه الشارع في ذلك التصرف، فلم يقع قبضه موقعه، بل وجود هذا القبض كعدمه، فيجب رده على مالكه، كما لو تبرع المريض لوارثه بشيء، أو لأجنبي بزيادة على الثلث، أو تبرع المحجور عليه بِفَلَسٍ [2] ، أو سَفَهٍ، أو تبرع المضطر إلى قوته بذلك، ونحو ذلك، وسر المسألة أنه محجور عليه شرعًا في هذا الدفع فيجب رده إليه.
والرد عليها يقول ابن القيم: (قيل: هذا قياس فاسد؛ لأن الدفع في هذه الصور تبرع محض، لم يعاوض عليه، والشارع قد منعه منه؛ لتعلق حق غيره به، أو حق نفسه المقدمة على غيره. وأما ما نحن فيه فهو قد عاوض بماله على استيفاء منفعة أو استهلاك عين محرمة، وقد قبض عوضًا محرمًا، وأقبض مالًا محرمًا، فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه، وبذل فيه ما لا يجوز بذله، فالقابض قبض مالًا محرمًا، والدافع استوفى عوضًا محرمًا. وقضية العدل ترادُّ العوضين، لكن قد تعذر رد أحدهما، فلا يوجب رد الآخر من غير رجوع عوضه، نعم لو كان الخمر قائمًا بعينه لم يستهلكه، أو دفع إليها المال ولم يفجر بها وجب رد المال في الصورتين قطعًا، كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتصل بها القبض. فإن قيل: وأي تأثير لهذا القبض المحرم حتى جعل له حرمة، ومعلوم أن قبض ما لا يجوز قبضه بمنزلة عدمه إذ الممنوع شرعًا، كالممنوع حسًا، فقابض المال قبضه بغير حق، فعليه أن يرده
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد 5/ 691.
(2) قال في تاج العروس 16/ 343: (والفَلَس، بالتَّحْرِيك: عَدَمُ النَّيْل) .