واجتمع الفضيل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك عند وهيب بن الورد بمكة فذكروا الرطب فقال وهيب: (هو من أحب الطعام إلي إلَّا أني لا آكله لاختلاط رطب مكة ببساتين زبيدة وغيرها) ، فقال له ابن المبارك: (إن نظرت في مثل هذا ضاق عليك الخبز) ، قال: (وما سببه) ، قال: (إن أصول الضياع قد اختلط بالصوافي) ، فغشي على وهيب، فقال سفيان: (قتلت الرجل) ، فقال ابن المبارك: (ما أردت إلَّا أن أهون عليه) ، فلما أفاق قال: (لله عليَّ أن لا آكل خبزًا أبدًا حتى ألقاه) ، قال فكان يشرب اللبن قال فأتته أمه بلبن فسألها فقالت هو من شاة بني فلان فسأل عن ثمنها وأنه من أين كان لهم فذكرت فلما أدناه من فيه قال بقي أنها من أين كانت ترعى فسكتت فلم يشرب لأنها كانت ترعى من موضع فيه حق للمسلمين فقالت أمه اشرب فإن الله يغفر لك فقال: (ما أحب أن يغفر لي وقد شربته فأنال مغفرته بمعصيته) [1] .
وقال الحسن البصري (رحمه الله) : (ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام) [2] .
وقال الإمام الغزالي (رحمه الله) : (وَهَكَذَا كَانُوا يَحْتَرِزُونَ مِنَ الشُّبُهَاتِ أَصْنَافُ الْحَلَالِ وَمَدَاخِلُهُ) [3] .
الثاني: الحرص على الكسب السريع:
بعض الناس يستعجلون في طلب الرزق فهم يريدون الحصول على المال من أي جهة وبأي طريق حتى لو كان من حرام، فالمكسب السريع عندهم هو الغاية المرجوة والهدف المنشود، وقد يتأخر الرزق عن بعض الناس لحكمة يعلمها مقدر الأرزاق ومقسمها؛ فيحمله استبطاء الرزق على أن يطلبه بمعصية الله، ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال فيما رواه عنه ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى الْجَنَّةِ، إِلَّا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا عَمَلٌ يُقَرِّبُ إِلَى النَّارِ، إِلَّا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، لَا يَسْتَبْطِئَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلْقَى فِي رُوعِيَ أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ
(1) إحياء علوم الدين 2/ 92.
(2) جامع العلوم والحكم ص 74.
(3) إحياء علوم الدين 2/ 92.