الصفحة 41 من 167

خاصرتاها )) أي امتلأت شبعًا وعظم جنباها (( استقبلت الشمس ) )أي بركت وقعدت مستقبلة عين الشمس (( ثلطت ) )ثلط البعير يثلط إذا ألقي رجيعًا سهلًا رقيقًا (( اجترت ) )أي أخرجت الجرة وهي ما تخرجه الماشية من كرشها لتمضغه ثم تبلعه تستمرئ بذلك ما أكلت وقال ابن الأثير في النهاية: ضرب في هذا الحديث مثلين أحدهما للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها والآخر للمقتصد في أخذها والنفع بها فقوله: إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم فإنه مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الإحتمال فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك أو تقارب الهلاك وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنعها مستحقها قد تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار وفي الدنيا بأذى الناس له وحسدهم إياه وغير ذلك من أنواع الأذى وأما قوله: إلَّا أكلة الخضر فإنه مثل للمقتصد وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي الأمطار فتحسن وتنعم ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمريها فضرب أكلة الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها فهو بنجوة من وبالها كما نجت آكلة الخضر ذلك أنها إذا شبعت منها بركت مستقبلة عين الشمس تستمرئ بذلك ما أكلت وتجتر وتثلط فإذا ثلطت فقد زال عنها الحبط وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول فتنتفخ أجوافها فيعرض لها المرض فتهلك وأراد بزهرة الدنيا حسنها وبهجتها وبركات الأرض ثمارها وما يخرج من نباتها) [1] .

إذن ليعلم العاقل أن الدنيا زائلة وأنه موقوف ومسئول بين يدي الله تعالى عن كل ما اكتسبه وكل ما أنفقه. فعن أبي برزة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ) ) [2] .

(1) صحيح مسلم بشرح الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي 2/ 727 برقم 121 - (1052) .

(2) أخرجه الترمذي 4/ 612 برقم (2417) وقال: (هذا حديث حسن صحيح) وقال الشيخ الألباني في رواية الترمذي (صحيح) ، وابن أبي شيبة في مصنفه 7/ 125 برقم (34694) ، والطبراني في الأوسط 2/ 348 برقم (2191) . ومجمع الزوائد 10/ 346 برقم (18371) وقال الهيثمي: (وفي إسناد الطبراني الحارث بن محمد الكوفي، ويقال له: المعكوف، قال صاحب الميزان:(أتى بخبر باطل، وباقيهم ثقات) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت