واليوم نخشى على أمتنا أن يحل بها ما قد أصاب الأمم السابقة بسبب الكسب الحرام والإعتداء على حرمات الله، وقد رأينا بوادر ذلك، وما حل بالبلاد الإسلامية من ويلات ودمار وخراب وتهجير شاهد على ذلك.
إذن على المسلمين أن يبتغوا بهذا التنافس وجه الله والآخرة. قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص: 77) . فهذه هي المنافسة الصحيحة التي يبغيها الله عز وجل.
قال ابن كثير في تفسيره هذه الآية: (أي اسْتَعْمِلْ مَا وَهَبَكَ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ الْجَزِيلِ وَالنِّعْمَةِ الطَّائِلَةِ فِي طَاعَةِ رَبِّكَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ، الَّتِي يَحْصُلُ لَكَ بِهَا الثواب في الدنيا والآخرة وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أَيْ مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكَحِ، فَإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكِ عَلَيْكَ حَقًّا، فَآتِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أَيْ أَحْسِنْ إِلَى خَلْقِهِ، كَمَا أَحْسَنَ هُوَ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ أَيْ لَا تَكُنْ هِمَّتُكَ بما أنت فيه أن تفسد به في الْأَرْضَ، وَتُسِيءَ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [1] .
والقصد من إيراد قصة قارون أن أهل الدنيا تمنوا أن يكونوا مثل قارون في بغيه وطغيانه، فقد ذكرهم الله عز وجل في نفس السورة قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (القصص: 79 و 80) . هذه هي المنافسة الضالة غير المشروعة.
وهناك كلام نفيس في شأن هذه الآية قاله سيد قطب (رحمه الله) في ظلال القرآن ما نصه: (ثم يجيء المشهد الثاني حين يخرج قارون بزينته على قومه، فتطير لها قلوب فريق منهم، وتتهاوى لها نفوسهم، ويتمنون لأنفسهم مثل ما أوتي قارون، ويحسون أنه أوتي حظًا عظيمًا يتشهاه المحرومون. ذلك على حين يستيقظ الإيمان في قلوب فريق منهم فيعتزون به على فتنة المال وزينة قارون، ويذكرون إخوانهم المبهورين المأخوذين، في ثقة وفي يقين: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 228