الصفحة 47 من 167

الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ )) [1] .

وأكثر المنافسات اليوم لدى الجماعات والأحزاب السياسية، فإن هؤلاء يحرصون على أن تكون لديهم أموالًا طائلة لغرض المنافسة فيما بينهم لاسيما في كسب الأنصار والمؤيدين، وكذلك في فتح قنوات التواصل الاجتماعي، فلكل حزب قسم مالي يرعى هذه الجوانب، واليوم كثرت حاجتهم للمال بسبب فتح القنوات التلفازية لغرض تغطية شعاراتهم وإعلامهم وترشيحاتهم الانتخابية.

وكذلك كثرت المنافسات الدنيوية في جوانب شتى، وهذا ما نشاهده بأم أعيننا، كل هذا وذاك يجعل أصحاب النفوس السيئة يتهافتون على هذه الدنيا الفانية، التي ما خلقها الله إلَّا للتنافس الشريف في طلب الخير، قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين: 22 - 26) .

لهذا ذم الله الأمم السالفة لتنافسها في طلب الفاني الزائل وتقديمه على الباقي الدائم، وقد ذكر لنا القرآن الكريم في أكثر من موضع كيف كان حالهم في طلب الدنيا وملذاتها، وسعيهم الحثيث للترف الدنيوي كما في سورة الأعراف والشعراء والقصص وغيرها. فمع هذا كله كان مصيرهم الهلاك والدمار من غير عودة. قال تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا؟ وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} (القصص: 78) .

قال سيد قطب: (فإن كان ذا قوة وذا مال، فقد أهلك الله من قبله أجيالًا كانت أشد منه قوة وأكثر مالًا. وكان عليه أن يعلم هذا. فهذا هو العلم المنجي. فليعلم. وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهون على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم. فليسوا هم الحكم ولا الأشهاد! {وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} ! ذلك كان المشهد الأول من مشاهد القصة، يتجلى فيه البغي والتطاول، والإعراض عن النصح، والتعالي على العظة، والإصرار على الفساد، والاغترار بالمال، والبطر الذي يقعد بالنفس عن الشكران) [2] .

(1) أخرجه البخاري 4/ 96 برقم (3158) ، ومسلم 4/ 2273 برقم 6 - (2961) ، والترمذي 4/ 640 برقم (2462) ، وابن ماجه 2/ 1324 برقم (3997) ، وأحمد 28/ 496 برقم (17234) ، والنسائي في السنن الكبرى 8/ 89 برقم (8714) ، والطبراني في المعجم الكبير 17/ 24 برقم (38) ، وآخرين.

(2) في ظلال القرآن 5/ 2712.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت