الصفحة 46 من 167

‍ وأنشد أبو الفتح البستي:

(فلا تكن عجلًا بالأمر تطلبه فليس يحمد قبل النضج بحران

كفى من العيش ما قد سد من عوز ففيه للحر إن حققت غنيان

وذو القناعةِ راضٍ من مَعيشَتِه وصاحب الحِرْصِ إنْ أثرى فغضبان) [1]

وقال صالح بن عبد القدوس:

لا تَحرِصَنَّ فَالحِرص لَيسَ بِزائِد في الرِزقِ بَل يَشقى الحَريص وَيَتعَب

وَيَظل مَلهوفًا يَروح تحيلا وَالرِزقُ لَيسَ بِحيلَة يُستَجلَب

كَم عاجِز في الناسِ يَأتي رِزقُه رَغدًا وَيحرم كيس وَيَخيب) [2]

لهذا أتوجه بكل حرص وشفقة إلى هذا الصنف من المسلمين الذين أشغلهم الطمع فأعمى أبصارهم وقلوبهم من أنهم سيذهبون إلى خالقهم مهما طال عليهم الأمد، ومهما جمعوا من الأموال، وقد قال الحكماء: إن الإنسان لا يأخذ معه إلَّا عمله من حسنات وسيئات. والسعيد من اتعظ بالمواعظ والاعتبارات.

الرابع: عدم الزهد والمنافسة الشديدة في كسب المال:

وهذا كثيرًا ما يحدث بين الأقران، وأعني هنا بالمنافسة المنافسة غير الشريفة، التي يمقتها الإسلام ويحاربها، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المنافسة، وهي المنافسة الخاصة بطلب الدنيا وليس الآخرة، ففي حديث رواه الشيخان أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأَنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلاَءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَتْ صَلاَةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ الفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَىهُمْ، وَقَالَ: (( أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ؟ ) )، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لاَ

(1) قصيدة عنوان الحكم للبستي ص 41.

(2) نوادر الخلفاء - المشهور بـ (إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس) لمحمد، المعروف بدياب الإتليدي (المتوفى: ق 12 هـ) ص 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت