الصفحة 51 من 167

قال الرازي في تفسير هذه الآية: (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ وَالْجَاهِ تُورِثُ الطُّغْيَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنى} (الْعَلَقِ: 6 و 7) ، وَالطُّغْيَانُ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْعَبْدِ إِلَى مَقَامِ رِضْوَانِ الرَّحْمَنِ، وَيُوقِعُهُ فِي الْخُسْرَانِ وَالْخِذْلَانِ) [1] .

وقال في معرض ما يسبب له هذا المال من خسران في الدنيا والآخرة: (وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَظُمَ حُبُّهُ لِهَذِهِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فَإِمَّا أَنْ تَبْقَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ، أَوْ لَا تَبْقَى، بَلْ تَهْلِكُ وَتَبْطُلُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَعِنْدَ الْمَوْتِ يَعْظُمُ حُزْنُهُ وَتَشْتَدُّ حَسْرَتُهُ، لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْمَحْبُوبِ شَدِيدَةٌ، وَتَرْكَ الْمَحْبُوبِ أَشَدُّ وَأَشَقُّ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَهْلِكُ وَتَبْطُلُ حَالَ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ عَظُمَ أَسَفُهُ عَلَيْهَا، وَاشْتَدَّ تَأَلُّمُ قَلْبِهِ بِسَبَبِهَا، فَثَبَتَ أَنَّ حُصُولَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا. الرَّابِعُ: أَنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَالْحَوَاسُّ مَائِلَةٌ إِلَيْهَا، فَإِذَا كَثُرَتْ وَتَوَالَتِ اسْتَغْرَقْتَ فِيهَا وَانْصَرَفَتِ النَّفْسُ بِكُلِّيَّتِهَا إِلَيْهَا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحِرْمَانِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَحْصُلُ فِي قَلْبِهِ نَوْعُ قَسْوَةٍ وَقُوَّةٍ وَقَهْرٍ، وَكُلَّمَا كَانَ الْمَالُ وَالْجَاهُ أَكْثَرَ. كَانَتْ تِلْكَ الْقَسْوَةُ أَقْوَى، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنى} (الْعَلَقِ: 6، 7) فَظَهَرَ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ سَبَبٌ قَوِيٌّ فِي زَوَالِ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ الْآخِرَةِ عَنِ الْقَلْبِ وَفِي حُصُولِ حُبِّ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا فِي الْقَلْبِ، فَعِنْدَ الْمَوْتِ كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَقِلُ مِنَ الْبُسْتَانِ إِلَى السِّجْنِ وَمِنَ مُجَالَسَةِ الْأَقْرِبَاءِ وَالْأَحِبَّاءِ إِلَى مَوْضِعِ الْكُرْبَةِ وَالْغُرْبَةِ، فَيَعْظُمُ تَأَلُّمُهُ وَتَقْوَى حَسْرَتُهُ، ثُمَّ عِنْدَ الْحَشْرِ حَلَالُهَا حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عِقَابٌ. فَثَبَتَ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [2] .

وقال القرطبي: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَسَمِعَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ، أَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّهُ مَنِ اسْتَغْنَى طَغَى، فَاجْعَلْ لَنَا جِبَالَ مَكَّةَ ذَهَبًا، لَعَلَّنَا نَأْخُذُ مِنْهَا، فَنَطْغَى فَنَدَعَ دِينَنَا وَنَتَّبِعَ دِينَكَ. قَالَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ:(يَا مُحَمَّدُ خَيِّرْهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنْ شَاءُوا فَعَلْنَا بِهِمْ مَا أَرَادُوهُ: فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَعَلْنَا بِهِمْ كَمَا فَعَلْنَا بِأَصْحَابِ الْمَائِدَةِ) . فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقَوْمَ لَا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ، فَكَفَّ عَنْهُمْ إِبْقَاءً عَلَيْهِمْ) [3] .

(1) انظر: تفسير الرازي 16/ 37.

(2) انظر: تفسير الرازي 16/ 72.

(3) انظر: تفسير القرطبي 20/ 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت