فهرس الكتاب
حاكمية لله هو الخلط بين قضبنين فصل بينهما القرآن والسنة، الأولى هي مصدر التشريع، والثانية هي أساس الطاعة للحاكم. ففي الإسلام - كما يقولون - فإن التشريع مصدره إلهي، والشريعة ذات طابع إلهي، بمعنى أن النصوص تأتي مباشرة من القرآن والسنة، ويخضع لها كل من الحاكم والمحكوم. أما شرعية الحاكم وشرعية نظام الحكم نفسه في المجتمع الإسلامي فإنما تعتمد على رضا الشعب بمعنى أن الحكومة الإسلامية حكومة مدنية لا حكومة دينية (29) . ولا يجوز أن ينسحب الإقرار بالطابع الإلهي للشريعة إلى قضايا أخرى ذات طبيعة مختلفة تماما كالادعاء بالالتزام بنموذج حكم بعينه. ويؤمن الإسلاميون الجدد بأن الإسلام يترك بوضوح كل قضايا الحكم للاجتهاد البشري.
ولا يثنى الإسلاميون الجدد عن رؤيتهم وجود جذور تاريخية للالتباس والخلط بين الأساس الإلهي لسلطة التشريع مقابل الأساس المدني للسلطة الحكم؛ فهم يفرون بأن ذلك الالتباس يرجع إلى عهد رابع الخلفاء الراشدين. ولا هم يترددون؛ نظرة إلى أن أهم المنظرين المعاصرين للإسلام السياسي بمن في ذلك أبو الأعلى المودودي وسيد قطب قد كرسوا ذلك الالتباس. والآيات القرآنية التي يتم إقحامها في ذلك الجدل هي عادة قوله تعالى: «إن الحكم إلا لله،؛ وذلك لتغييب الخط الفاصل الذي يميز بين الأساس الإلهي للتشريع من ناحية والأساس البشري لشرعية الحكم من ناحية أخرى، فضلا عن الرغبة في إضفاء القداسة على السلطة السياسية عموما. ولا يقبل الإسلاميون الجدد حجية التاريخ ولا حجية مفسرين عاشوا في زمن ومکان مختلف، وهم يعودون إلى النصوص نفسها ويقدمون تفسيرهم لها.
ويقدم كمال أبو المجد أطروحة قوية مؤداها أن الآيتين اللتين تذکران لتبرير الحكم السلطوي إنما تشيران إلى مصدر التشريع أي إلى الشريعة لا إلى مصدر السيادة، ويؤكد بنبرة حاسمة أن لا علاقة لها بالأمر الثاني أي شرعية السلطة السياسية (30)
وغالبا ما يستحضر أنصار الإسلام السياسي إشارات تاريخية - خصوصا من نظام الخلافة - للتأكيد على صحة رؤيتهم بشأن سلطوية الحكم. وغالبا ما يتم استدعاء نماذج سياسية من القرن الإسلامي الأول وخصائص بعينها، مثل الحكم مدى الحياة والسلطة غير المقيدة للحاكم. ويقر الإسلاميون الجدد مثل سليم العوا بأن عصر الرسول والخلفاء الراشدين كان أفضل العصور من حيث تحقيقه العدل،. ولكن العوا