الصفحة 249 من 344

الغربي. ويؤكد القرضاوي لمستمعيه أن الرسول محمد كان قد وضع أسس نوع آخر من الحضارة، وهي حضارة متوازنة ومتكاملة، حضارة العلم والإيمان، حضارة الإنتاج الفاعل والتوزيع العادل، حضارة التقدم المادي والروحي. ووفقا للقرضاوي، فإن الحضارة الغربية لم تف بالحاجات البشرية؛ فهي حضارة وصلت إلى القمر ولكنها عجزت عن الحياة على الأرض بشكل إنساني. فهي حضارة الوسائل لا الغايات، حضارة لا تعطي للبشرية العدل الاجتماعي والسعادة الروحية. والقرضاوي والإسلاميون الجدد لا يقدمون لشباب العالم الإسلامي بناء على ذلك يأسا ينتج عنه لا مبالاة واضحة تميز أغلب ردود أفعال مفكري ما بعد الحداثة إزاء قصور الغرب؛ فهم بدلا من ذلك يقدمون رؤية العالم يعاد بناؤه على الأسس المتوازنة للحضارة الإسلامية، ويعاد التفكير فيه وترجمته إلى ترتيبات تناسب عصر العولمة. ومن ثم يوجدون الأمل في الخروج من معضلة عالم مضطرب،

وقد أتت رسالة القرضاوي تلك في وقت يعاني فيه الداخل المصري تدهورة؛ حيث بدت أولى مؤشرات امتداد الحملة الحكومية ضد المتطرفين الإسلاميين لتشمل المعتدلين أيضا. ففي 1995 كانت مساحة الحوار تتقلص بالفعل، وكانت نبرة خشنة وردود أفعال حادة قد تسللت إلى ردود أفعال حتى الإسلاميين الوسطيين الذين كانوا يشعرون بأنهم مستهدفون أيضا. وقد تجلت تلك الحالة عندما غاب المحاور العلماني الذي كان مفترض أن يكون المتحدث الثاني مع القرضاوي في ذلك اللقاء، والذي اتضح أنه كان مصمما في الأصل كحوار لا ندوة. وفي الوقت ذاته كان ترتيب القاعة يعكس بوضوح اليد الثقيلة للإخوان المسلمين ودورها المهيمن على نقابة الأطباء؛ فقد تم فصل الرجال عن النساء، وتم توجيه النساء لاستخدام الدور الأعلى. وفيما يفترض أنه ساحة مدنية، فقد تم إيقاف مجريات اللقاء بالأذان والدعوة للصلاة الذي هو في الواقع سلوك خاص بالكنائس والمساجد (2)

ولكن حتى في تلك الأجواء المشحونة في منتصف التسعينات، أثبت القرضاوي أن رسالة الاعتدال يمكنها أن تجتذب شباب العالم الإسلامي. وكان الحضور من الشباب يستمعون بانتباه واضح وكان بعضهم يكتب بعض التأملات. ثم بدأت الأسئلة المكتوبة تتدفق إلى مقدمة القاعة قبل فتح باب النقاش.

وطوال مجريات الندوة ظلت القاعة المكتظة هادئة بشكل غير عادي ومنتبهة أشد الانتباه، بينما القرضاوي يوجه دعوته للشباب المسلم بالتفاعل البناء في الحياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت