القدرة على الإلزام بل - وهو الأهم - تفتقد القدرة على تحقيق الإجماع الذي يذهب لما هو أبعد من المبادئ العامة إلى الأمور المتعلقة بالتطبيق العملي. ومع ذلك فهو يؤكد على التأثير الأخلاقي الذي تحمله مثل تلك المعايير الدولية غير الملزمة؛ فهذه الاتفاقات الدولية مهمة على المستوى الأخلاقي وتزداد أهمينها تلك يوما بعد يوم، وهي تستمد فاعليتها من كونها توضح طبيعة العالم المبتغى من خلال رؤية دولية (57)
ومن ثم رحب الإسلاميون الجدد بأعمال تلك المؤتمرات، واعتبروها ذات قيمة حقيقية رغم التقدم المتواضع الذي تحرزه نحو بناء المجتمع العالمي، فقد أدركوا على الفور أن المعايير الدولية التي يتم الاتفاق عليها في تلك المنتديات الدولية من شأنها أن تحفز جهود الإصلاح المحلية وتدعمها، شريطة أن تمثل بالطبع وفاقا دوليا حقيقية. ولهذا الغرض حثوا العالم الإسلامي على المشاركة الكاملة في المنتديات الديمقراطية التي جمعت العالم كله معا لصياغة تلك المبادئ. وقد برهن الإسلاميون الجدد على أنهم على استعداد للتعلم من خبرات الأخرين بنفس مقدار حرصهم على تقديم رؤاهم المتعلقة بالتراث والتاريخ الإسلامي. وحيث صارت أعمال تلك المؤتمرات متاحة للجميع أظهروا تقديرا عميقا للعمليات الدولية المعقدة لبناء وفاق دولي، ونشروا من خلال كتاباتهم دروس تلك العملية السياسية الدولية الديمقراطية، وفي تقويمهم لمضمون أعمال تلك المؤتمرات مكنهم الطابع المركب لفكرهم من تحديد المساحات العريضة للاتفاق العام مع ذلك الإجماع الدولي رغم تأكيدهم في الوقت ذاته على الخصوصية الإسلامية. وفي أغلب الأحيان كانوا قادرين على بلورة ما اتفقوا معه من مبادئ عامة محورية، بينما احتفظوا بالحق في الاختلاف الثقافي بشأن كيفية تحقيق تلك المبادئ العامة على أرض الواقع.
وقد نبع رد فعل الإسلاميين الجدد المبني على الثقة بالذات من إيمانهم بأن الإسلام قد سمح بالهويات السياسية المركبة ولولاءات الإنسانية المتعددة. ولم يوافقهم في ذلك كل عناصر التيار الإسلامي؛ فعلى سبيل المثال، حين أعلن أن مؤتمر السكان والتنمية سوف ينعقد في القاهرة، أدانت أصوات إسلامية الفكرة ذاتها معربة عن مخاوفها من أن المناقشات سوف تتطرق حتمأ إلى قضايا جدلية متعلقة بالحرية الجنسية، والمسائل الأعم المتعلقة بدور المرأة والتي طالما أدت إلى هجوم غربي على العالم العربي الإسلامي. وقد رفض الإسلاميون الجدد تلك الرؤية المنطلقة من