الصفحة 35 من 344

منه. لكن اللقاء التلفزيوني حمل معنى إضافيا يقوض بدهاء صورة الإرهابي التي كان النظام يأمل في عرضها؛ فلمن استطاع أن يدرك المعنى الخفي، فإن قصة عادل عبد الباقي كانت في الواقع حكاية «الجيل المفقودة في مصر وكيف خذلهم المجتمع كله بدءا بالنظام التعليمي؛ فشخصية عبد الباقي غطت منذ اللحظة الأولى على شخصية محاوريه؛ فقد کشف «الإرهابي، - الذي استخدم اللغة العربية الفصحى بطلاقة واستعار بسهولة من لغة القرآن - عن متحدث بارع يتمتع بذكاء واضح ووقار، وربما يتسم بسمات کارزمية أيضا. ورغم بؤس ما آل إليه مساره، فقد كان واضحا أن رحلة عبد الباقي بدأت کشاب شديد التدين في السابعة عشرة من عمره، يبحث بصدق عن ضالته الدينية؛ فهو من أسرة متدينة من الفيوم، ووصف نفسه بأنه كان

تلميذا ممتازا وقارئا جيدا» (3) . ولم يكن مصدر تطوره الفكري المدارس العامة المكتظة والمهملة، وإنما القراءات الحرة ودوائر النقاش في المساجد. وقد ترك عبد الباقي المدرسة دون أن يكمل تعليمه رغم ملكاته الفكرية الواضحة. ولأنه كان تواقة إلى تعميق فهمه للإسلام، فقد انكب على الكتب التي كان يقدمها له الشباب الذين كانوا يرتادون المساجد.

وقد بدأ عبد الباقي رحلة التطرف عبر قراءة كتب مفکرين إسلاميين راديکاليين وجد فكرهم صدى لديه في إطار ظروف الفقر والعوز التي رآها حوله في الفيوم. وكان الكتاب أبي الأعلى المودودي - الفقيه الباكستاني ومؤسس الجماعة الإسلامية - تأثير قوي عليه. فقد ذكر المودودي في كتاب الأعمدة الأربعة أن واقع ما يسمى بالمجتمعات الإسلامية يتناقض مع رؤية المجتمع كما يطرحها القرآن، وحث المودودي المسلمين (الحق) على تولي مسئولية تغيير المنكر بالقوة إذا لزم الأمر، وتحويل مجتمعاتهم إلى مجتمعات إسلامية حقيقية. وحكي عبد الباقي كيف أنه تعلم من المودودي أن مشروعية استخدام القوة لتحقيق ذلك الهدف جاءت في حديث شريف يدعو المؤمنين لاستخدام السيف للدفاع عن العقيدة.

ثم انتقل عبد الباقي بعد ذلك لكتاب معالم في الطريق، وهو الكتاب الأكثر

راديکالية لسيد قطب، والذي كتبه بعد تجربته في المعتقل، حيث تعرض للتعذيب قبل إعدامه. وقد اقنع كتاب السيد قطب عبد الباقي بأن ما جاء في كتاب المودودي ينطبق على مصر؛ فقد جاء في كتاب قطب أنه لما كان حكام مصر ليسوا مسلمين، فإن الإطاحة بالنظام السياسي من جانب المؤمنين أمر يقبله الإسلام. وأوضح عبد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت