إتلاف النسخة الأصلية ووضع النسخة المصححة في ملفات المحفوظات محلها، ولم تكن عملية التبديل المتواصلة هذه تطبق على الصحف فحسب، بل كانت تطال أيضا الكتب والدوريات والنشرات والإعلانات والأفلام و أشرطة التسجيل وأفلام الكرتون والصور وكذا كل أنواع الأدب أو الوثائق التي يمكن أن تحمل مضامين سياسية أو أيديولوجية. فيوما بيوم وربما دقيقة بدقيقة يتم تحديث الماضي بما يجعله يتوافق والحاضر. وهكذا، فإن كافة تنبؤات الحزب بتسني، بالدليل الوثائق، إظهارها باعتبارها صائبة، كما أن كل فقرة إخبارية أو أي إبداء لوجهة نظر تتعارض مع مجريات الحاضر كان لا يسمح لها بالبقاء ضمن أي سجلات. فالتاريخ كله كان بمثابة لوح تم تنظيفه لإعادة النقش عليه بما تستلزمه مصلحة الحزب. وحينما يتم الانتهاء من عمل ما، فإنه يصبح من المتعذر تماما على أي كان الإتيان ببرهان على أن ثمة تزييفة قد جرى. وكان أكبر الاقسام ضمن دائرة السجلات، والذي يكبر بكثير ذاك الذي يعمل به ونستون، يتالف من أشخاص مهمتهم هي تعقب وتجميع كافة نسخ الكتب والصحف وأية وثائق حلت محلها أخرى وبات يتعين إتلافها، وهناك مجموعة من أعداد «التايمز» ، والتي ربما بسبب تغيير في التحالفات السياسية أو نبوءة كاذبة وقع فيها الأخ الكبير، قد تمت إعادة کتابتها عشرات المرات وما زالت محفوظة في ملفاتها حاملة تاريخها الأصلي دون أن تظهر أي نسخ أخرى تناقضها. وحتى الكتب أيضا كان يتم استردادها وإعادة كتابتها المرة تلو المرة، ثم إعادة طباعتها بصورة مغايرة دون الإشارة إلى أي تغييرات جرت عليها. بل وحتى التعليمات الخطية التي كان يتسلمها ونستون والتي كان يتخلص منها فور الانتهاء منها، لم تشر من بعيد أو قريب لأي عمليات تزييف يتعين القيام بها. وكل ما كان يشار إليه دائما هو مجرد هفوات أو أخطاء مطبعية أو اقتباسات مغلوطة يلزم تصحيحها توخيا للدقة.
ولكن ونستون كان يعتبر، وهو يعيد ضبط أرقام وزارة الوفرة، أن