ذلك ليس تزييفة، بل مجرد استبدال تفاهات بتفاهات. فمعظم المواد التي كان يتعامل معها لم تكن تمت بصلة لما يحصل على أرض الواقع. فالإحصائيات كانت وهمية في نسخها الأصلية شأنها شأن نسخها المعدلة. وفي كثير من الأحيان كان من المفترض أن تختلقها اختلاقا من مخيلتك. فعلى سبيل المثال كانت توقعات وزارة الوفرة قد قدرت إنتاج الأحذية الربع سنوي بمائة وخمسة وأربعين مليون زوج من الأحذية، بينما كان الإنتاج الفعلى اثنين وستين مليونا. ولدى إعادة كتابة التوقعات، خفض ونستون الرقم إلى سبعة وخمسين مليونا مفسحة بذلك المجال للادعاء لاحقا بأن ثمة فائضا في الحصة المقررة. وعلى أي حال، فإن اثنين وستين مليونا لم نكن أقرب إلى الحقيقة من سبعة وخمسين مليونة أو من مائة وخمسة وأربعين مليونا، ومن الممكن ألا يكون قد تم إنتاج أي أحذية على الإطلاق. بل وعلى الأرجح، لم يكن أحد يعرف ما تم إنتاجه أو حتى يبالي بمعرفة ذلك. فكل ما كان يعرفه المرء عن إنتاج الأحذية هو ارقام فلكية لا توجد إلا على الورق، في الوقت الذي كان زهاء نصف سكان أوقيانيا حفاة. وهكذا كان شان كافة الحقائق المسجلة، صغيرة كانت أم كبيرة. فكل شيء يتلاشى في عالم من الظلال إلى حد يصبح معه حتى تاريخ السنة أمر مشكوك فيه.
رفع ونستون ناظريه عبر القاعة. في الحجرة المقابلة لمكتبه على الجانب الآخر كان ثمة رجل ضئيل الجسم، دقيق الملامح، ذو ذقن سوداء، يدعي تبلونسون، يعمل بدأب، واضعا على ركبتيه صحيفة مطوية، ومقربة فمه من مهتاف جهاز التسجيل. وكان يبدو من هيئته أنه يحاول الاحتفاظ بما يقوله سرا، بينه وبين شاشة الرصد. وعندما رفع رأسه لاحظ أن ونستون ينظر إليه، فبادله بنظرة عداء.
كان ونستون لا يعرف من هو تيلونسون هذا ولا العمل الذي يقوم به. فالناس في دائرة السجلات كانوا لا يميلون للتحدث عما يشير إليهم من مهام. ففي القاعة الطويلة الخالية من النوافذ، وحجراتها المصطفة