الصفحة 142 من 350

في المطعم فوجد قاعة مزدحمة، سقفها منخفض، وقد اكتست جدرانها بالسخام من أثر أياد وأجسام لا تحصى، وامتلأت بكراس وطاولات معدنية مهشمة وضعت بشكل متلاصق بحيث تتصادم أكواع الجالسين أثناء الطعام. كما رأى ملاعق مثنية وصواني منبعجة وأباريق خشنة بيضاء، كانت كل السطوح ذات ملمس لزج من أثر الشحوم، فالوسخ يتخلل ما بها من تشققات، كما كانت تفوح من القاعة رائحة حمضية تنبعث من الخمرة والقهوة الرديئتين ومن الملابس المتسخة , كان المرء يحس دائما بأصوات احتجاج تنبعث من معدته ومن تحت جلده، ويشعر بأنه قد شلب شيئا كان من حقه الحصول عليه. صحيح أنه لا يذكر أن الأحوال كانت تختلف عن ذلك كثيرة، فكل ما يمكنه تذكره بصورة واضحة هو أن النقص في الطعام كان دائما. لم يكن يوجد جوارب أو ملابس داخلية ليست مليئة بالرتوق. والأثاث كان دائما مهشمة عتيقة، والغرف بلا تدفئة، وقطارات الأنفاق مزدحمة، والبيوت متداعية آيلة للسقوط. لقد بات الخبز أسود اللون، والشاي نادر الوجود، والقهوة متعفنة الطعم، والسجائر غير كافية. ولم يكن من شيء وفير ورخيص سوي الخمرة المصنعة كيماوية. ولئن كانت الأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ مع تقدمه في السن، فهل كانت هنالك دلائل تشير إلى أن ذلك لم يكن الوضع الطبيعي للأمور؟ فإذا كان قلب المرء يتالم لوجود كل هذه المنصات: شتاءات طويلة وقذارة جوارب، ومصاعد معطلة دائما، وماء بارد، وصابون خشن، وسجائر تتفتت، وطعام رديء ذي مذاق غريب .. هل كان المرء يضيق ذرعا بتلك الأوضاع التي لا تطاق لو لم تكن لديه ذاكرة ما توحي إليه بأن الأمور كانت تختلف عما هي عليه الآن؟

ألقي نظرة أخرى حوله في المطعم، فبدا له أن كل الأشخاص كانوا قبيحي الشكل، وأن هذا القبح لن يزول حتى لو ارتدوا ملابس أخرى وخلعوا الزي الأزرق المعهود. في الجانب الأبعد من القاعة كان رجل ضئيل الجسم مثير للاستغراب يشبه الخنفساء يجلس إلى طاولة بمفرده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت