الصفحة 176 من 350

أعمال حقيرة والتزاحم للحصول على موطئ قدم في قطار الأنفاق أو رتق جورب مهترئ أو تسول قطعة سكر أو ادخار عقب سيجارة. أما الممثل التي كان يروج لها في الحزب فقد كانت شيئا ضخمة مخيفة وبراقة، وشعرك بأنك وسط عالم من الفولاذ والقوة، والآلات الضخمة والأسلحة المخيفة، وتوحي لك بأنك وسط أمة من المحاربين والمتعصبين الذين يمضون قدما كبنيان مرصوص ويفكرون تفكيرة واحدة متماثلا ويهتفون بشعارات واحدة ويعملون بلا كلل ويقاتلون وينتصرون ويعتدون، ويبلغ تعدادهم ثلاثمائة مليون من الأنفس ذوي الوجوه المتماثلة. أما الحقيقة فهي في المدن القذرة الكئيبة والآيلة للسقوط، يروح ويجيء فيها بشر جياع، يعانون من سوء التغذية، بأحذية بالية وثياب مهلهلة، ويقطنون بيوتا متداعية تعود للقرن التاسع عشر تفوح منها رائحة الملفوف المسلوق ممزوجة بروائح قذرة.

كان يبدو له أن ما يراه هو صورة للندن، المدينة الكبيرة المتداعية ذات المليون سلة نفايات، تختلط بصورة السيدة بارصون ذات الوجه المغضن بالتجاعيد والشعر المنفوش وهي تحاول عبثا فتح بالوعة

مسدودة،

انحنى صاحبنا وحك كاحله مرة أخرى. ثم سار مع أفكاره بين هذه الحياة البائسة وما يدعيه الحزب من أكاذيب. فليلا نهارة كانت شاشات الرصد تصم أذنيك بالإحصائيات التي تبرهن على أن الشعب اليوم لديه طعام أكثر وثياب أوفر وبيوت ووسائل راحة أفضل، وأنهم أصبحوا يعيشون أطول، ويعملون ساعات أقل، وأنهم أكبر وأصح وأقوى وأسعد وأذكى وأكثر ثقافة من أولئك الذين كانوا على قيد الحياة منذ خمسين سنة خلت. هذا ولم يكن من الممكن أبدأ التدليل على صدق أو كذب كلمة واحدة من ذلك. فمثلا كان الحزب يزعم أن 40 في المائة بين البالغين من عامة الشعب متعلمون أما قبل الثورة فقد كانت النسبة 15 في المائة فقط. ويزعم كذلك أن نسبة وفيات الأطفال بلغت 160 بالألف فقط، في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت