حين كانت قبل الثورة 300 بالألف، وعلى هذا المنوال كانت الإحصاءات تجري شبيهة بمعادلة بسيطة مجهولة. فمن الجائز جدا أن تكون كل كلمة في كتب التاريخ، بل حتى الأمور التي يعتبرها المرء مسلمات، هي محض خيال. وربما لم يكن هنالك أبدا ذلك القانون الذي يبيح للرأسمالي مجامعة أي امرأة تعمل في مصانعه، أو مخلوق مثل الرأسمالي أو قبعة مثل قبعته العالية
كل شيء كان يلفه الضباب، فالماضي أمحي من الوجود وما تم محوه بات طي النسيان فصارت الكذبة حقيقة. مرة واحدة في حياته عثر على دليل مادي لا يرقى إليه شك، على عملية تزييف وأمسك به بين أصابعه لثلاثين ثانية فقط. لابد أن ذلك كان في عام 1973. وعلى أية حال كان ذلك في الفترة التي انفصل فيها عن كاترين. ولكن التاريخ الحقيقي لتلك الحادثة كان أبكر بسبع أو ثماني سنوات.
بدأت القصة فعلا في منتصف الستينات إبان موجات التطهير الكبرى التي جرى فيها تصفية الزعماء الأصليين للثورة دفعة واحدة وإلى الأبد. وبحلول عام 1970 لم يكن قد تبقى منهم أحد، ما عدا الأخ الكبير. أما الباقون فقد وصموا بالخيانة واعتبروا مناوئين للثورة، وفر غولدشتاين إلى حيث لا يعرف أحد، فيما توزع الآخرون. قلة منهم اختفت، وأغلبية تم إعدامها بعد محاكمات علنية صورية اعترفوا خلالها بما نسب إليهم من جرائم. وكان من ضمن من بقي على قيد الحياة ثلاثة رجال هم جونز و آرونسون وراذرفورد. وكان هؤلاء الثلاثة قد ألقي القبض عليهم عام 1965. وكما يحدث غالبا، فقد اختفوا لمدة سنة أو أكثر، لا يعرف إن كانوا أحياء أم أموات، بعدئذ وعلى نحو مفاجئ جيء بهم ليجزموا أنفسهم بالطريقة المعهودة، بحيث اعترفوا بالتجسس لصالح الأعداء (وفي ذلك الوقت كان العدو هو أوراسيا أيضا) ، وباختلاس المال العام، وبقتل العديد من أعضاء الحزب الخلص، كما بندبير الدسائس ضد زعامة الأخ الكبير للثورة، وذلك حتى قبل قيام الثورة،