الصفحة 180 من 350

كذلك اعترفوا بعمليات تخريبية أفضت إلى مقتل مئات الألوف من الناس، لكن وبعد اعترافهم بهذه الجرائم صدر أمر بالعفو عنهم وأعيدوا إلى الحزب ومنحوا مناصب بألقاب رنانة لكنها خاوية من الصلاحيات. وكتب ثلاثتهم مقالات مطولة وخسيسة يشرحون فيها الأسباب التي دفعتهم للانشقاق عن الحزب سابقة وقطعوا العهود على إصلاح أنفسهم.

وبعد فترة من إطلاق سراحهم رآهم ونستون بالفعل في مقهى شجرة الكستناء، وهو يذكر ذلك الشعور بالافتتان الممزوج بالخوف الذي انتابه وهو يراقبهم بطرف عينيه. كانوا يكبرونه سنة. بقايا من العالم القديم، وتقريبأ آخر قادة الحزب العظماء الباقين من الأيام المجيدة الأولى للحزب. كان عبق النضال السري والحرب الأهلية ما زال عالقة بهم على نحو خافت. انتابه شعور آنذاك، رغم أن التواريخ والحقائق في ذلك الوقت كانت عرضة للعبث بها، بأنه سمع باسمائهم قبل سنوات من سماعه بالأخ الكبير. لكنهم الآن خارجون على القانون وأعداء ومنبوذون ومحكوم عليهم بالزوال في غضون سنة أو سنتين. إذ لم يحدث أن سقط أحد في قبضة شرطة الفكر ثم تبت له النجاة في النهاية، لقد كانوا جثثا في انتظار من يعيدها إلى قبورها.

لم يكن من الحكمة أن يرى أحد بجوار مثل هؤلاء الناس، لذلك خلت أقرب الموائد إليهم من رواد المقهى. وكانوا يجلسون وقد خيم عليهم السكون وأمامهم كؤوس الخمر المعطرة بالقرنفل التي يشتهر بها هذا المقهى. ومن بين الثلاثة كان رادرفورد وحده هو الذي ترك أثرة خاصة في ونستون. فهذا الرجل كان رساما کاريکاتورية شهيرة في يوم من الأيام ألهبت رسومه الهزلية القاسية الرأي العام الشعبي قبل وأثناء الثورة. وحتى الآن، وعلى فترات متباعدة كانت صوره الهزلية تظهر في جريدة التايمز، مجرد محاكاة لأسلوبه الأول ولكنها عديمة الروح ولا تبعث على الإقناع. فهي دائما بمثابة اجترار لموضوعات قديمة وضعت في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت