الصفحة 182 من 350

قوالب جديدة، حيث يصور الأحياء الفقيرة والأطفال يتضورون جوعة، وشجار الشوارع، والرأسماليين ذوي القبعات العالية - حتى وهم في الشرفات كانوا يتعلقون بقبعاتهم الأنيقة - في محاولة بائسة لا تنتهي للعودة إلى الماضي. كان رادرفورد رجلا ضخم الجثة ذا غرة من شعر دهني رمادي، ووجه منتفخ مجعد وشفتين سميكتين مكتنزتين. ويبدو أنه كان في الماضي رجلا قوية جدا، أما الآن فجسده الكبير يترهل ويتهدل في كل اتجاه. كان يبدو أنه يتحطم كجبل يتداعي.

ولم يستطع ونستون أن يتذكر الآن كيف أتي إلى المقهى في مثل هذا الوقت إذ كانت الساعة السادسة مساء، وكان المكان شبه خاو وثمة موسيقي خفيفة تنساب من شاشة الرصد بينما جلس الرجال الثلاثة في زاويتهم صامتين وبلا حراك. ودون أن يطلبوا شيئا من النادل، أحضر كؤوسا إضافية من الخمر، وعلى المائدة المجاورة رقعة شطرنج صفت عليها القطع دون أن يبتدئ أحد اللعب. وبعدئذ وربما لنصف دقيقة من الزمن، طرأ تغير ما على الشاشة إذ تغير اللحن وتغيرت معه الموسيقى. كان شيئا يصعب وصفه. كانت النغمة الجديدة نغمة ناهقة متكسرة مزعجة، نغمة اسماها ونستون في عقله انغمة صفراء»، وبعد ذلك صدح صوت من الشاشة بما يلي:

تحت شجرة الكستناء الوارفة بعتك وبعتني وها هم يرقدون هناك ونحن نرقد هنا تحت شجرة الكستناء الوارفة

لم يحرك الرجال الثلاثة ساكنة. ولكن عندما تطلع ونستون إلى وجه راذرفورد المحطم مرة ثانية رأي عينيه وقد اغرورقتا بالدموع. ولاحظ وللمرة الأولى، وقد استولت عليه رعشة داخلية لم يعرف مبعثها، لاحظ أن كل من آرونسون وراذرفورد كان أنفه مكسورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت