الصفحة 188 من 350

الرجال الثلاثة قد أفشوا أسرار بلادهم لعملاء شرقاسيا. وبعد ذلك الوقت ظهرت اتهامات أخرى لم يكن يستطيع تذكر عددها، كما أنه من المحتمل جدا أن الاعترافات قد أعيد تنقيحها مرات ومرات إلى أن أصبحت الحقائق والتواريخ الأصلية بلا معنى على الإطلاق. فالماضي لم يكن قد تغير فحسب، بل كان في تغير دائم. وأشد ما كان يربض على صدره مثل الكابوس أنه لم يفهم أبدا لماذا يمارسون علينا الخداع والدجل. فالفوائد المباشرة لتزييف الماضي واضحة لكن الغاية البعيدة من ورائها كانت غامضة. فأخذ قلمه ثانية وكتب:

إنني أفهم (کيف) ، لكن لا أدرك (لماذا) ؟

ثم تساءل، كما تساءل مرارا وتكرارا من قبل، عما إذا كان هو نفسه مصابا بمت من الجنون. فالجنون ربما هو، بكل بساطة، أن تخالف الآخرين. ففي زمن من الأزمان كان من الجنون أن تعتقد أن الأرض تدور حول الشمس، أما اليوم فالجنون هو أن تعتقد أن الماضي غير قابل للتبديل. ولعل ونستون هو الوحيد في تمسكه بهذا الاعتقاد، وإذا كان وحيدة في ذلك فهذا يعني أنه مجنون. بيد أن فكرة الجنون لم تكن تقلقه كثيرة، بل ما كان يرعبه هو احتمال أن يكون على خطأ.

التقط كتاب التاريخ الخاص بالأطفال ثم تطلع إلى صورة الأخ الكبير التي تغطي الغلاف حيث العينان المغناطيسيتان تحدقان فيه، وكأنما كانت هنالك قوة هائلة تجثم عليك. شيء يخترق الجمجمة ويدخل إلى دماغك فيزعزع معتقداتك ويحملك على أن تنكر على حواسك ما تشعر به، فمن الممكن في نهاية المطاف أن يعلن الحزب أن اثنين واثنين يساويان خمسة وعليك أن تصدق ذلك. وعاجلا أم آجلا سيحصل ذلك. إن منطقه يتطلب مثل هذا. ففي الحزب لم تكن فلسفتهم تنكر صلاحية التجربة فحسب وإنما كانت تنكر أيضا، بكياسة، وجود الحقيقة الظاهرة. كذلك كانوا يعتبرون ضلال الضالين هو عين العقل. والمرعب في ذلك ليس احتمال قتلك بجريرة التفكير بطريقة مغايرة، بل احتمال أن يكونوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت