الصفحة 20 من 350

الأفق البعيد كانت حوم طوافة بين السطوح تقترب تارة وتبتعد تارة فتبدو أشبه بخنفساء زرقاء، ثم تنطلق منعطفة في مسار آخر. ولم تكن هذه الطوافة غير دورية شرطة تتلصص على الناس عبر النوافذ، غير أن الطوافة لم تكن ترهب الناس كما ترهبهم شرطة الفكر.

كان الصوت المنبعث من شاشة الرصد ما يزال يكرر إحصائيات إنتاج الحديد الخام ويعيد نبأ تحقق أهداف الخطة الثلاثية التاسعة. وكان الجهاز يرسل ويستقبل في آن واحد، فبإمكانه التقاط كل صوت، يصدر عن ونستون، يتجاوز حد الهمسات الخافتة، فضلا عن أنه يبقى مراقبة بالصوت والصورة ما دام موجودة في مدى رؤية هذه الشاشة المعدنية. ولم يكن هنالك بالطبع من طريقة لمعرفة ما إذا كنت في مرمى المراقبة أم لا في أية لحظة. أما كم مرة أو كيف يمكن أن تخترق شرطة الفكر حياتك الخاصة فهذا أمر لا يمكن التنبؤ به، وإن كان من المفروض أنها ترصد الناس جميعا بلا انقطاع، إذ باستطاعة هذه الشرطة أن تدخل، متي شاءت، على خط أي كان. كان عليك أن تعيش، بحكم العادة التي تحولت إلى غريزة، مفترضة أن كل صوت يصدر عنك مسموع وأن كل حركة مرصودة.

وقف ونستون مديرا ظهره لشاشة الرصد، فقد كان يظن أن هذا اسلم عاقبة بالرغم من أن أمر المرء يمكن أن ينكشف من ظهره أيضا. وكان مركز عمله يبعد مسافة كيلومتر واحد عن وزارة الحقيقة، التي يرتفع مبناها ذو اللون الأبيض وسط منظر طبيعي کالح. وفكر ونستون وفي نفسه شيء من التقزز والامتعاض، أهذه هي لندن المدينة الرئيسية في القطاع الجوي رقم واحد؟ وثالث أكبر مقاطعات أوقيانيا سكانا. لقد حاول جاهدة أن يسترجع بعضا من ذكريات الطفولة محاولا أن يتبين ما إذا كانت هذه هي صورة لندن في كل الأوقات؟ أتراها كانت بمثل هذه الطرقات المزدحمة و المنازل المتهالكة؟ أكانت على هذه الحال في القرن التاسع عشر، حيث تظهر على جوانبها دعائم من الخشب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت