ونوافذها مرقعة بقطع من الكرتون وسقوفها من صفائح الحديد المطئج، واسوار حدائقها مهدمة ونافرة في كل الاتجاهات؟ أكانت موجودة تلك الأماكن التي أحدث القصف فيها حفرة كبيرة تعبق بالغبار، وتبدو للعين أوراق الصفصاف مختلطة بأكوام النفايات، وقد ظهرت هناك مجموعة من الأكواخ الخشبية أشبه بأقفاص الدجاج؟ ولكن عبثا حاول، فلم يكن باستطاعته أن يتذكر شيئا عن ذلك الماضي: إذ لم يبق له من ذكريات الطفولة إلا صور غير واضحة المعالم
كانت وزارة الحقيقة - مينيترو في اللغة الجديدة - تختلف اختلافا بينا في مظهرها عن أي بناء آخر تقع عليه العين، فهي بناء هرمي ضخم من الأسمنت الأبيض اللامع، يرتفع عاليا يناطح السحاب، طبقة فوق طبقة، ثلاثمائة متر في السماء، ومن مكانه، كان باستطاعة ونستون أن بقرا على الحائط الأبيض كتابة ذات أحرف كبيرة بارزة، هي شعار الحزب المؤلف من جمل ثلاث:
الحرب هي السلام
الحرية هي العبودية
الجهل هو القوة.
كانت وزارة الحقيقة تتألف، حسبما يقال، من ثلاثة آلاف غرفة فوق الأرض، فضلا عن أقبية تابعة لها تحت الأرض. ولم يكن في لندن سوى ثلاث بنايات شبيهة بها من حيث المظهر والحجم، وهذه البنايات كانت تحجب ما حولها من منازل، ولذا كان من الممكن لمن يقف فوق سطح مبنى النصر أن يرى البنايات الأربع في آن واحد. وكان يشغل هذه البنايات أربع وزارات تشكل الجهاز الحكومي، فوزارة الحقيقة تختص بشؤون الأخبار ووسائل اللهو والاحتفالات والتعليم والفنون الجميلة، ثم وزارة السلام التي تعنى بشؤون الحروب، ثم وزارة الحب وهي المسؤولة عن حفظ النظام وتطبيق القانون، ثم أخيرة وزارة الوفرة وهي ترعى الشؤون الاقتصادية.