الصفحة 214 من 350

تماديت في وقاحتك. فقلت وقد أمسك بتلابيبي ودفعني دفعة قوية كادت ترميني أمام حافلة: لقد كنت شابا في ذلك الوقت وكنت سأسدد له ضربة مماثلة، ولكن ...

واستولى على ونستون شعور باليأس، لقد كانت ذاكرة الرجل العجوز خالية إلا من توافه التفاصيل، ولن يحصل منه على معلومات ذات قيمة، إذن فتاريخ الحزب قد يكون صحيحة، ومع قليل من التعديل، قد يكون كل ما فيه صحيح. وأخيرا قرر القيام بمحاولة أخيرة.

فقال للشيخ: «ربما لم أوضح لك قصدي تماما. ما أود قوله هو الآتي: إنك تعيش على هذه الأرض منذ زمن طويل، وقد عشت شطرة من حياتك قبل الثورة: ففي عام 1925 مثلا كنت قد بلغت رشدك، فهل برأيك، من خلال ما تتذكره، كانت الحياة سنة 1925 أحسن مما هي عليه الآن أم أسوأ؟ وإذا كان لك أن تختار فهل تفضل العيش في هذه الحياة أم في تلك؟

نظر الرجل العجوز إلى لوحة لعبة السهام نظرة تأمل، وأكمل متكلمة بهيئة فيلسوف ونبرة تسامح كما لو أن الجعة قد لينت عريكته. فقال: «إنني أعلم ما تأمل مني أن أقوله، إنك تأمل أن أقول أنني أتمنى العودة إلى سن الشباب. كل الناس يتمنون أن يعودوا إلى ريعان الشباب حيث يتمتعون بالصحة والعافية. وعندما تبلغ ما بلغت من سني فلن تكون على مايرام، فأنا الآن أعاني من ألم خبيث في قدمي، ومثانتي في اضطراب شديد حتى أنها تضطرني إلى ترك الفراش ست أو سبع مرات في الليلة الواحدة. لكن من ناحية أخرى فإن للتقدم في السن ميزات عظيمة، منها مثلا أنه لا يكون لديك هموم تنغص عليك، كما لن تشغل النساء بالك، وفي هذا فائدة جمة، فأنا لم أعرف امرأة منذ ثلاثين سنة، إذا كنت تعتبر هذا ميزة حسنة، بل وأكثر من هذا لم أرغب في ذلك» .>

اتکا ونستون على النافذة، إذ لم تكن هنالك جدوى من متابعة ذلك الحديث. وكان على وشك شراء المزيد من الجعة عندما نهض الرجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت