فهرس الكتاب
العجوز فجاة متجهة صوب المرحاض کريه الرائحة حيث كان نصف لتر الجعة الإضافي قد فعل فعله فيه. أما ونستون فقد ظل جالسا في مكانه يحملق في كاسه الفارغة لدقيقة أو دقيقتين، ولم يشعر إلا وقدماه تحملانه خارج الحانة مرة ثانية. كان ونستون على امتداد ما يقارب من عشرين سنة يفكر في هذا السؤال السهل الممتنع محاولا الإجابة عنه:
هل كانت الحياة قبل الثورة أفضل مما هي عليه الآن؟، لكن سؤاله ظل بلا جواب حتى الآن، طالما أن قلة من الناس الباقين على قيد الحياة من العالم القديم لم يكونوا قادرين على مقارنة عقد بآخر. كانوا يتذكرون آلاف التفاهات، كمشاجرة مع زميل عمل أو البحث عن منفاخ دراجة مفقود أو تعبير اعترى وجه شقيقة قضت منذ زمن بعيد أو دوامات الغبار في صباح يوم عاصف منذ سبعين عاما، كل هذا بينما كانت الحقائق الرئيسية واقعة خارج مدى رؤيتهم، إذ كانوا كالنملة التي يمكنها رؤية الأشياء الصغيرة بينما تتعامى عن الكبيرة. وحينما يعتري العجز الذاكرة وتكون السجلات المكتوبة زائفة، يصبح ادعاء الحزب بأنه قام بتحسين أوضاع الحياة الإنسانية واجب القبول لأنه لم توجد، ولا يمكن أن توجد، أي معايير لقياس صحة ذلك من خطئه.
وفي هذه اللحظة انقطع حبل تفكيره فجأة وتوقف عن السير ونظر حوله، فإذا هو في شارع ضيق فيه عدد قليل من الحوانيت الصغيرة المعتمة المنتشرة بين المنازل، وفوق رأسه مباشرة كانت تتدلى ثلاث کرات معدنية بلا لون بدت كما لو كانت مذهبة فيما مضى. وأحس أنه يعرف المكان. فقد كان يقف خارج حانوت الخردوات الذي اشترى منه دفتر مذكراته.
وسرت في أوصاله ارتعاشة خوف، ففي الأصل كان شراؤه ذلك الدفتر عملا طائشة، وكان قد أقسم آنذاك ألا يقرب ذلك المكان مرة أخرى، ومع ذلك ففي اللحظة التي أطلق لأفكاره العنان قادته قدماه مرة أخرى إلى ذلك المكان من تلقاء نفسها، وكان ما يرجوه من شراء