في جيبه بهذا الغرض، لكنه تخلى عن الفكرة بعيد لحظات، فقد كان خائر القوى وليس بمقدوره أن يوجه ضربة لأحد، وفوق ذلك كانت الفتاة قوية وفي سن الشباب، وقد تدافع عن نفسها. ثم خطر له أيضا أن يهرع إلى المركز الاجتماعي ويبقى فيه حتى يغلق أبوابه كدليل يثبت مكان تواجده في هذا المساء، لكن ذلك كان أيضا مستحيلا. لقد انتابته حالة من الإعياء الشديد وكان كل ما يريده هو أن يعود إلى المنزل بسرعة ويستلقي بهدوء
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساء حينما عاد إلى شقته وكانت الأنوار تطفا في الحادية عشرة والنصف في المدخل الرئيسي. دلف إلى المطبخ حيث از درد ملء فنجان شاي من خمرة النصر ثم توجه إلى الطاولة في الزاوية وأخرج دفتر مذكراته من الدرج، لكنه لم يفتحه في الحال إذ كان ينبعث من شاشة الرصد صوت أنثوي نحاسي يزعق بأغنية وطنية، فراح يحدق في غلاف الدفتر ذي اللون المرمري محاولا دون جدوى أن يخرج ذلك الصوت من رأسه.
القد كانوا دائما يأتونك ليلا، والأفضل لك أن تقتل نفسك قبل أن يقبضوا عليك ومن المؤكد أن كثيرة سبقوك لذلك، فأكثر حالات الاختفاء
كانت عمليات انتحار حقيقية. لكن الأمر يستلزم شجاعة اليأس حتى تقتل نفسك في عالم يتعذر فيه الحصول على سلاح ناري أو على سم سريع المفعول وأكيد الأثر.
وفكر بشيء من الدهشة في عدم جدوى الألم والخوف وفي ما بلاقبه الإنسان من خذلان من جسمه الذي تخور قواه في اللحظات الحاسمة، فقد كان بإمكانه أن يخرس الفتاة ذات الشعر الأسود لو أنه قد تصرف بالسرعة الكافية، ولكن الخطر الداهم الذي كان محدقا به سلبه القدرة على التصرف. وأدرك أن مواجهة الإنسان ضد جسده أصعب من مواجهة العدو الخارجي. وحتى في هذه اللحظات ورغم ما شربه من خمر، فإن الألم الذي في جوفه أفقده القدرة على التفكير المنطقي.