وادرك أيضا أن هذا هو ما يعتري الإنسان في كل المواقف البطولية والمأساوية، ففي ميدان القتال أو في غرفة التعذيب أو على متن سفينة تغرق، تغدو القضايا التي تحارب من أجلها طي النسيان دائما، ذلك لأن جسدك يظل يتضخم حتى يملأ عليك العالم فلا ترى سواه. وحتى إذا لم يشل الرعب حركتك أو لم يجعلك الألم تصرخ، فإن الحياة تظل صراعة موصولا ضد الجوع والبرد والقلق أو ضد حموضة وحرقة المعدة أو ألم الأسنان.
شعر ونستون بضرورة أن يكتب شيئا ففتح المفكرة، لكن ذاك الصوت الأنثوي كان قد بدأ أغنية جديدة وكان كأنه يرتطم بمخه کشظايا من الزجاج. ثم حاول أن يفكر في أوبراين الذي من أجله، أو إليه، كانت المذكرات، لكنه وبدلا من التفكير في أوبراين راح يفكر في ما سيحدث له بعدما تقبض عليه شرطة الفكر. لن يهم إذا ما قتلوك في الحال فذلك ما کنت تنتظره، ولكن المهم هو ما يسبق الموت (لا أحد يتحدث في مثل هذه الأمور رغم أن الجميع يعرفها) ، هناك خطوات الاعتراف التي عليك أن تمر بها، من الزحف على الأرض والصراخ طلبة للرحمة وطقطقة العظام المتكسرة والأسنان المهشمة وخصلات الشعر التي تنتزع من رأسك حتى تدميه. لماذا يتعين عليك أن تتجشم كل هذا ما دامت النهاية واحدة؟ ولماذا ليس بالإمكان أن تقتطع من حياتك بضعة أيام أو أسابيع؟ فلم يحدث أن أفلت أحد من الملاحقة أو صمد على الاعتراف. وحالما تقر بجريمة نكر فإنه من المؤكد أن موتك يصبح مسألة وقت معلوم. لماذا إذن ذلك الرعب من المستقبل الذي لم يكن اليغير شيئا؟
ونجح قليلا في استحضار صورة أوبراين. فقد قال له أوبراين في الحلم اسنلتقي في مكان لا ظلمة فيها. كان يعرف ما عناه أوبراين او خيل إليه ذلك. فالمكان الذي لا ظلمة فيه هو المستقبل المتخيل الذي لن يراه وإن كان يمكن استشرافه والمشاركة فيه، إلا أنه لم يستطع متابعة