الأوراق الأخرى المرصوصة فوق مكتبه، وأحس بقلبه يخفق خفقات مدوية، وكان من حسن حظه أن المهمة المسندة إليه في تلك اللحظة كانت عمة روتينية محضة، إذ كان يصحح قائمة مطولة من الأرقام وهو الأمر الذي لا يتطلب انتباهة شديدة.
وقال في نفسه أيا كان ما هو مكتوب في الرسالة، فلا بد أنه سيكون ذا مغزي سياسي. فكر في تلك اللحظة باحتمالين. أولهما، وهو الأكثر رجحانا، أن الفتاة تعمل جاسوسة لحساب شرطة الفكر، وهو ما كان يخشاه، لكنه لم يفهم لماذا تلجا شرطة الفكر لهذه الطريقة التوصيل رسائلها، لعل لديهم من الأسباب ما يفسر ذلك. فلربما في الرسالة تهديد أو استدعاء أو أمر بالانتحار أو فخ ما ينصب له. أما عن الاحتمال الآخر فقد كان أكثر جنونا، كان يساور ونستون رغم أن ونستون قد
حاول دون جدوى أن يكبته، ومفاده أن هذه الرسالة ليس ثمة ما يربطها بشرطة الفكر على الإطلاق إذ إنها مرسلة من إحدى المنظمات السرية. فلعل لجماعة «الأخوة» وجود!، ولعل الفتاة منضوية في عضويتها. لا ريب في أن هذه الفكرة كانت عبثية، ولكنها انبجست في خاطره منذ لحظة شعوره بالورقة في يده. ولم تكد تمر دقيقتان حتى كان التفسير الأول والأرجح قد خطر بباله ثانية. وحتى الآن ورغم أن عقله أوحي إليه أن هذه الرسالة قد تعني موته، فإنه لم يصدق ذلك وظل متشبثة بأهداب أمل واه، في حين أخذ قلبه يدق بعنف محاولا كبت أثر ارتعاشة على صوته وهو يهمهم بالأرقام إلى آلة التسجيل.
الف رزمة كاملة من أوراق العمل ثم زج بها في الأنبوب الهوائي. ثماني دقائق كانت قد مضت حين أعاد تثبيت نظارته فوق أنفه وتنهد، ثم جذب مجموعة أخرى من أوراق العمل وقد وضعت قصاصة الورق فوقها، وما إن فضها حتى رأى الكلمة التالية مكتوبة فوقها بخط كبير:
أحبك تملکه ذهول شديد لعدة لحظات حتى أنه نسي أن يلقي بأداة