الجريمة في قبور الذاكرة. وحينما فعل ذلك، ورغم إدارکه للخطر الذي ينطوي عليه إبداء أي اهتمام زائد، فإنه لم يقدر على منع نفسه من قراءتها مرة ثانية، وفي الحال، حتى يطمئن قلبه إلى أن الكلمة موجودة حقا.
وكان من العسير عليه أن يواصل العمل لما تبقى من وقت في ذلك الصباح، ولم يكن أشق عليه من التركيز على ما بين يديه من مهام مزعجة، إلا ضرورة إخفائه لما يختلج وجهه من انفعال أو اضطراب عن شاشة الرصد، وشعر كأن نارة أشعلت في ضلوعه. كان تناوله لطعام الغداء في المطعم الحار والغاص بالموظفين والمليء بالضوضاء بمثابة عملية تعذيب، فقد كان يأمل أن يختلي بنفسه أثناء ساعة الغداء، لكنه ولسوء حظه، فإن الأحمق بارصون قد حشر نفسه بكل سماجة بجانبه، وقد فاقت رائحة عرقه الكريهة رائحة الطعام المسلوق، ومضى بارصون يثرثر حول الاستعدادات الأسبوع الكراهية، مبدية حماسته بشكل خاص النموذج لوجه الأخ الكبير غزه متران ويجري إعداده بواسطة فرقة الجاسوسات، التي تنتمي إليها ابنته، خصيصا لهذه المناسبة. ولم يكن ونستون يستطيع سماع ما يقوله بارصون وسط الضوضاء مما يضطره إلى تحمل إزعاج تکرار بارصون لبعض ملاحظاته السخيفة. وقد لمح الفتاة ذات مرة وهي جالسة مع فتاتين أخريين حول إحدى الموائد في الطرف الآخر من قاعة الطعام. ويبدو أنها لم تره، أما هو فلم ينظر في اتجاهها مرة ثانية.
كان ونستون أفضل حالا في فترة ما بعد الظهيرة. فقد أسندت إليه مهمة صعبة تتطلب عدة ساعات وتستلزم منه تركيزة بحيث ينحي كل ما عداها جانبا. كان عليه تزوير بعض تقارير الإنتاج الصادرة منذ سنتين بطريقة تثير علامات استفهام حول نزاهة عضو بارز في قيادة الحزب وقد غدا في وضع مزعزع. كان ونستون يجيد أداء مثل هذا اللون من العمل، بالتالي فقد تمكن من إقصاء الفتاة عن تفكيره لأكثر من ساعتين. ولكن