كان طائر الحشون قد حط على غصن لا يبعد أكثر من خمسة امتار عنهما وعلى مستوى وجهيهما تقريبا. ويبدو أن الطائر لم يرهما، فقد كان هو في الشمس وكانا هما في الظل. نشر الطائر جناحيه ثم أعادهما بعناية إلى وضعهما الأول، وخفض رأسه للحظة، كما لو كان يؤدي فرضا من فروض الطاعة والتبجبل للشمس، وأخذ يصدح بأغانيه. ووسط هداة ما بعد الظهيرة بدا أن الصوت قد جعل ونستون وجوليا يجفلان فاحتضن كل منهما الآخر مبهورين بذلك الصوت العذب. وانسابت الموسيقي دقيقة تلو أخرى مع تنويعات تبعث على الدهشة، فلم يكرر أي نغمة طوال ذلك وكأنما كان يتعمد استعراض براعته في الغناء. وكان الطائر يتوقف لثوان أحيانا لينشر جناحيه ثم يضمهما ثانية، ويملا صدره بالهواء ثم ينطلق في التغريد ثانية. كان ونستون يراقبه ولديه شيء من التبجيل الغامض، وتساءل في نفسه ترى لمن كان الطائر يغرد ولماذا؟ لم يكن بجواره رفيق أو غريم. وما الذي يجعله يحط على غصن من أغصان غابة مهجورة كهذه ويصدح بموسيقاه في العراء وما من أحد يسمعه؟ وتساءل أيكون هنالك بعد كل هذا ميکروفون مخبأ في مكان ما على مقربة منهم؟ إنه وجوليا قد حرصا على أن يكون كلامهما همسة، ولن يستطيع الميكروفون التقاط ما قالاه، لكنه حتما سيلتقط تغريد الحسون، وربما ثمة رجل ضئيل الجسم أشبه بالخنفساء عند الطرف الآخر من الميكروفون ينصت باهتمام إلى ذلك. بيد أنه وبالتدريج استطاع فيض الموسيقى المنسابة أن يطرد كل الهواجس من ذهنه. وكان هذا الفيض أشبه بسائل ينسكب فوق جسمه ممتزجة بأشعة الشمس المتسربة عبر أوراق الشجر. وهنا توقف ونستون عن التفكير مكتفية بما يعتمل في داخله من أحاسيس. كان خصر الفتاة الذي يحيطه بذراعيه لينا ودافئة. جذبها نحوه حتى صار صدره ملاصقا لصدرها واحس بجسدها يمتزج بجسده، واينما تحسست بداه كان جسدها مستسلمة كالماء. وتلاقت شفاههما بقبلات مختلفة تمام الاختلاف عن تلك الجافة التي