منارة يومض ويخبو، فمثلا قد يضطرهما مرور أحد أعضاء الحزب بزيه الرسمي أو اقترابهما من شاشة رصد إلى صمت مفاجئ ومطبق ثم يستأنفان حديثهما بعد دقائق قليلة مبتدئين من وسط جملة كانا قد قطعا حديثهما عندها. ثم فجأة يمسكان عن الحديث عندما يفترقان في المكان المتفق عليه ليواصلا ما انقطع من حديث في اليوم التالي دون مقدمات ومن حيث انتهيا. وبدا أن جوليا متمرسة تماما على ذلك النوع من الحديث والذي كانت تسميه (الحديث بالتقسيط) ، كما أنها كانت تتمتع ببراعة فائقة في التحدث دون أن تحرك شفتيها، ولم يتمكنا إلا مرة واحدة خلال شهر من اللقاءات الليلية من تبادل قبلة وذلك عندما كانا يسيران في شارع جانبي يخيم عليه الصمت (کانت جوليا لا تتحدث مطلقة إلا عندما تكون في شارع رئيسي) وعندما سمعا صوت زئير يصم الآذان، واهتزت الأرض من تحت أقدامهما، وعبق الجو، وكان ونستون ممددة على الأرض وقد أثخنته الجراح وانتابته حالة من الهلع، لا بد أن قذيفة صاروخية قد سقطت بالقرب منهما. وفجأة لم يشعر إلا ووجه جوليا لا يفصله إلا بضعة سنتيمترات عن وجهه. وكان وجها شاحبة شحوب الموتى حتى إن شفتيها الحمراوين اصطبغتا باللون الشاحب نفسه، وظن أنها لقيت حتفها فضمها إليه وحينما جعل يقبلها تبين له أنه يقبل وجها حية دافئة. لكن بعضا من مادة غبارية حالت بين تلاثم شفاههما إذ كان كلا الوجهين مغطيين بطبقة من الملاط.
وكان يحدث في بعض المرات أن يبلغا مكان اللقاء ثم يضطران إلى المرور ببعضهما دون أن يتبادلا ولو إشارة، وذلك إما لأن إحدى الدوريات قد ظهرت في المكان أو لأن حوامة أخذت تحلق فوق الرؤوس. وحتى لو كانت لقاءاتهما لا تنطوي على مثل هذه الأخطار، فقد كان يتعذر عليهما أن يجدا وقت فراغ يلتقيان فيه، لأن ونستون كان يعمل ستين ساعة أسبوعية في حين كانت جوليا تعمل أكثر من ذلك، كما كانت أيام عطلاتهما تتباين حسب ضغوط العمل ونادرا ما تتوافق. وفي