الصفحة 314 من 350

على الحزب فقد كان يحول لمصلحته، وكذلك كانوا يلعبون لعبة مماثلة مع غريزة الأبوة والأمومة، فمع أن مفهوم الأسرة ظل قائما، وظل يتم تشجيع الآباء والأمهات على إبداء حبهم لأطفالهم بالطريقة نفسها المتبعة في العهد القديم تقريبا، فإن الأطفال على الجانب الآخر كان يتم تحويلهم، وبطريقة ممنهجة، للعمل ضد آبائهم كما يدربون على التجسس عليهم والإبلاغ عن أي انحرافات تظهر. وهكذا أصبحت الأسرة امتدادا لشرطة الفكر، ووسيلة لضرب نوع من الحصار حول كل فرد بواسطة عملاء يحصون عليه كل حركاته وسكناته ليلا نهارة.

وعلى نحو مفاجئ عاود التفكير في كاترين والتي كانت ولا ريب ستشي به إلى شرطة الفكر لولا أنها كانت من الغباء إلى حد يجعلها لا تدرك الانحرافات الحاصلة في آرائه عن عقيدة الحزب، لكن الشيء الذي جعلها تخطر بباله حقيقة هو حرارة الجو الخانقة في ذلك التوقيت والتي جعلت العرق يتفد من جبينه، فبدأ يخبر جوليا عن شيء قد حدث، أو بالأحرى لم يحدث في ظهيرة صيف أخرى شديدة القيظ منذ إحدى عشرة سنة.

كان ذلك بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من زواجه، حينما ضلا طريقهما أثناء رحلة جماعية في مقاطعة «كنته، ولم يتخلفا عن الآخرين سوي دقيقتين إذ سلكا منعطفة خاطئة، وفي الحال وجدا نفسيهما عند جرف المحجر طباشير قديم بلغ ارتفاعه ما بين عشرة أو عشرين مترا وفي القاع كانت تتراكم كتل من الصخور. وقد ضلا طريقهما، وحالما أدركا ذلك بدت كاترين شديدة الانزعاج، فقد كان مجرد بعدها عن الضجيج المنبعث من أصوات الرفاق كفيلا بأن يشعرها بأنها قد اقترفت إثما. وكانت تريد العودة سريعة من الطريق الذي سلكاه خطأ ثم تبدأ البحث في الاتجاه الآخر. بيد أنه في هذه اللحظة استرعي انتباه ونستون بعض الزهور التي تنمو وسط شفوق الجرف الذي تحتهما. وكان بعضها ذا لونين، رغم أنهما ينبتان من الجذر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت