أجابت: «للسبب المعتاد نفسه، لقد بدأت الاستعدادات أبكر في هذه المرة.
وتملك ونستون غضب عارم. فخلال الشهر الذي مضى كان ثمة تغيير قد طرا على طبيعة رغبته إزائها. في أول الأمر كانت مفعمة بالقليل من الشهوة الحقيقية، وكان أول لقاء حب يضمهما بمثابة عمل صادر عن إرادة لا رغبة. لكن ذلك تغير في المرة الثانية، إذ إن رائحة شعرها وفمها وملمس بشرتها قد تغلغلت في جوانحه وملأت الهواء الذي يحيط به وأصبحت ضرورة بالنسبة إليه، بل أستحالت شيئا لا يريده فحسب بل يشعر أيضا بأن من حقه الحصول عليه. ولذلك فعندما قالت إنها لن تستطيع المجيء ساوره شعور بأنها تخادعه، ولكن في هذه اللحظة ازداد ضغط الزحام فالتقت أيديهما مصادفة، وشعر بها تضغط على أطراف أصابعه بشكل لا يثير الرغبة بل يحرك العاطفة. وحدثته نفسه أن المرء حينما يعيش مع امرأة يجب أن يعتبر خيبة الرجاء هذه أمرا عادية وحدثة متكررة، وهنا شعر بعاطفة مشبوبة إزاءها كما لم يشعر من قبل. ومئي نفسه لو أنه قد تزوجها قبل عشر سنوات، ولو أنه كان يستطيع أن يمشي معها في الشوارع كما يفعلان الأن ولكن علانية ودون خوف، ويتبادلان الحديث حول التفاهات ويشتريان مع احتياجات بينهما. وفوق كل ذلك تمنى لو كان لديهما مكان يختليان فيه معا دون رقيب أو حسيب وبغير أن يكون لزاما عليهما أن يمارسا الحب في كل مرة يلتقيان فيها. لم تكن فكرة استئجار غرفة السيد شارنغتون قد خطرت له في تلك اللحظة، بل حدث ذلك في اليوم التالي، ولم يكد بعرضها على جوليا حتى قبلتها بسرعة لم يتوقعها. كان كلاهما يعي أن هذا عمل طائش، إذ كانا کمن يحفران قبريهما بمحض إرادتهما. وبينما كان يجلس على حافة السرير راح يفكر ثانية في زنزانات وزارة الحب. إنه لأمر غريب أن هذا الفزع المحكوم به على الإنسان يجتاح وعيه حينا ويختفي حينا، فهو يکمن هناك في المستقبل، ويستبق الموت تماما مثلما يسبق الرقم 99 المائة.