الصفحة 334 من 350

الناظر إليها يخامره شعور بأنها ستكون راضية كل الرضا لو أن أمسية حزيران هذه قد امتدت بلا نهاية ولو أن ما لديها من ثياب مغسولة لا ينفد حتى تظل على حالها هذه الألف عام تعلق فيها حفاضات الأطفال وتردد الأغنيات التافهة. وتنبه إلى أن من غريب الحقائق أنه لم يسبق له أن سمع عضوا من الحزب وهو يغني وحده وبهذه التلقائية، إذ كان ذلك قمينة بأن يبدو شكلا من أشكال عدم الولاء وانحراف عن مبادئ الحزب وشذوذا خطيرة يرقى إلى مستوى كلام المرء إلى نفسه. وربما لم يكن الناس يبحثون عن شيء للتغني به إلا حينما يصبحون على شفير الموت

مرت الدقائق الثلاث، فقالت جوليا: «يمكنك أن تستدير الآن» .

استدار ونستون وللحظة بدا له أنه لا يعرفها. وكان في الحقيقة يتوقع أن يراها عارية، بيد أنها لم تكن كذلك، فالتحول الذي جرى عليها كان أكثر إثارة للدهشة من التعري. ذلك أنها كانت قد طلت وجهها بمساحيق الزينة وتلويناتها.

لا بد أنها قد انسلت إلى أحد الحوانيت الكائنة في أحياء العامة واشترت لنفسها مجموعة من أدوات الزينة. كانت شفتاها قد ازدادتا احمرارة ووجنتاها قد توردتا وأنفها قد طاله شيء من المسحوق، بل وكان هناك أثر لشيء ما تحت عينيها يجعلهما أكثر بريقة. نعم، لم يكن قيامها بذلك كله قد تم ببراعة، ولكن مقاييس ونستون أيضا في مثل هذه الأمور لم تكن رفيعة، إذ لم يسبق له أن رأى أو حتى تخيل امرأة من الحزب تصبغ وجهها بمساحيق الزينة. لقد كان التغيير الذي طرأ على مظهرها مثيرة للدهشة، فهي لم تصبح أكثر جمالا فحسب بل أيضا، وهو الأهم، أكثر أنوثة. وقد زاد من روعة مظهرها هذا شعرها القصير وزيها الصبياني. وما إن ضمها بين ذراعيه حتى غمرت أنفه رائحة زهور بنفسج صناعي، وعادت به الذاكرة في الحال إلى العتمة التي كانت تخيم على المطبخ شبه المعتم سيئ الذكر وإلى المرأة ذات الفم کالمغارة. ورغم أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت