الصفحة 72 من 350

مستيقظا أو نائمة، تعمل أو تأكل، داخل منزلك أو خارجه، في الحمام او في الفراش لا فرق، لا مهرب لك. أنت لا تملك سوى تلك السنتيمترات المكعبة داخل جمجمتك.

مالت الشمس نحو الغروب فانحسرت عن نوافذ وزارة الحقيقة الكثيرة، والتي بدت كئيبة وأشبه بكوى في أسوار قلعة. كان قلبه يرتجف أمام هذا الشكل الهرمي الضخم. رآه حصنا منيعا لا يمكن اقتحامه، حتى إن آلافة من القذائف الصاروخية تعجز عن النيل منه. مرة ثانية تساءل اليمن بكتب ما يكتبه في مفكرته، أتراه يكتب للمستقبل أم للماضي،

يكتب لعصر ربما لن يوجد إلا في خيالاته؟ وأمام عينيه لم يكن الموت فحسب يقف متربصة، بل الفناء. والمفكرة ستتحول إلى رماد وهو نفسه سيموت ويتحول إلى بخار. لن يكون هنالك أحد غير شرطة الفكر يقرأ هذه الأفكار وذلك قبل أن تمحوها من الوجود والذاكرة معا. كيف يمكن أن تكتب للمستقبل، إذا كان لا يمكن لأي أثر لك أن يبقى لهذا المستقبل، ولا حتى كلمة على قصاصة ورق مجهولة الكاتب.

دقت ساعة الشاشة الثانية بعد الظهر، وعليه أن ينصرف في غضون عشر دقائق ليعود لعمله مرة ثانية في الدقيقة الثلاثين بعد الثانية ظهرة.

أحسن أن دقات الساعة بدت كأنها قد بعثت في كيانه روحا جديدة، كان كشبح وحيد يتمتم بينه وبين نفسه بالحقيقة دون أن يسمعه أحد على الإطلاق، ولكن ما دام يمكنه الاستمرار في ذلك فإن هذه التمتمة ستتواصل، فليس بمجرد إسماع الآخرين صوتك بل ببقائك سليم العقل يمكنك مواصلة حمل التراث الإنساني. عاد ونستون إلى الطاولة وجلس على الكرسي ثم تناول القلم وبدأ يكتب: إلى المستقبل أو الماضي، إلى الزمن الذي يكون الفكر فيه حرا طليقا، إلى زمن يختلف فيه الأشخاص عن بعضهم البعض ولا يعيش كل منهم في عزلة عن الأخرى إلى زمن تظل الحقيقة فيه قائمة ولا يمكن فيه لأحد أن يمحو ما ينتجه

الآخرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت